برنامج موضوع الغلاف، يذاع على شاشة قناة المجد الفضائية
مدونةٌ حَوَتْ دُررًا بعين الحُسنِ ملحوظة ... لذلك قلتُ تنبيهًا حقوق النشر محفوظة

Sunday, July 19, 2009

تجميد وهمي للاستيطان للضحك على الأمريكان


البيادر السياسي، 4 يوليو 2009


طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من رئيس وزراء إسرائيل وقف البناء في المستوطنات، هذا الطلب أحدث نوعاً من الشرخ المؤقت في الموقف الأميركي الإسرائيلي المشترك. صحيح أنه لم يفاجىء إسرائيل، لكنه وضع رئيس وزرائها أمام خيار صعب: إذا قبل الطلب فإنه سيواجه أزمة داخل حكومته اليمينية، وإن رفض الطلب فإنه سيواجه مواجهة سياسية مع إدارة أوباما..
ومن أجل "تدوير" الأزمة استعان نتنياهو بخطة - كشفت تفاصيلها مجلة البيادر السياسي في موضوع غلافها الأخير- ملخصها (تجميد وهمي للاستيطان للضحك على الأمريكان).
اقترح إيهود باراك أن تعلن إسرائيل رسمياً تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة شهور من أجل إظهار نوايا حسنة تجاه أوباما، والقبول المرحلي لمطلبه. ولكن الاقتراح يقول إن البناء في ألفي وحدة سكنية يجري الآن تشييدها لن يتوقف لأن عملية البناء أو التشييد قد بدأت قبل شهور وقبل أن يقدم أوباما طلبه، ومن الصعب إيقاف البناء فيها لأن ذلك يترتب عليه مصاريف والتزامات خاصة بعقود البناء.
ولن يتردد باراك في القول لإدارة أوباما: إن الاستيطان في الضفة مختلف عما يجري في القدس، إذ أن القدس هي عاصمة الدولة "اليهودية" ولا يحق لأحد التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، وأن الإدارة الأميركية ذاتها تعتبر القدس منطقة "متنازع" عليها، وليست مدينة محتلة.
بنيامين نتنياهو قادر على خداع أعضاء الائتلاف وقادر على احتواء هذا الأمر من خلال الاجتماع بقادة الأحزاب اليمينية المتطرفة والقول لهم إن تجميد الاستيطان هو تجميد "شكلي" وعلى "الورق"، أما عملية البناء فستستمر وخاصة في الوحدات السكنية التي تم بناء جزء كبير منها. وأن أوباما سيقبل فيما بعد بمواصلة البناء من أجل مواجهة النمو الطبيعي داخل المستوطنات.
وسيقول نتنياهو إن أوباما سيتفهم موقفنا، وإن عليكم الاعتراض "اللفظي" على تجميد الاستيطان لأن هذا سيساعد في شرح موقفنا (موقف إسرائيل)، وإذا كانت هناك معارضة قوية، وتهديد كلامي بالانسحاب من الحكومة فإن إدارة أوباما ستكون معنية بألا تسقط حكومة نتنياهو الآن، وألا تُفرَض إملاءات وشروط وحلول على إسرائيل أو على أية دولة في العالم.
وسيقول نتنياهو إن الاستيطان في القدس سيتواصل ولن يتوقف، كما أن الاستيطان في المناطق الاستيطانية النائية والبعيدة قد تتواصل بصورة هادئة ومن دون أية ضجة وبعيداً عن وسائل الإعلام وتطبيلها وتزميرها.
وكمثال على الخداع الإسرائيلي، استشهدت المجلة بمستوطنة (جفعات هبريخا) التي أقيمت عام 2005، واعتبرت في وقتها غير شرعية، وقد أقيمت فيها 30 وحدة سكنية، وقامت وزارة الإسكان الإسرائيلية حينها برصد حوالي 1.4 مليون شيكل تدشين البنى التحتية لهذه البؤرة التي تحولت فيما بعد إلى مستوطنة معترف بها، وقد قامت وزارة الدفاع الإسرائيلية قبل حوالي عشرة شهور باعتبارها جزءاً من المستوطنات الشرعية في الضفة الغربية.. إذ أن عدد وحداتها السكنية وصل إلى ستين الآن!
كل الحديث عن البناء في المستوطنات أو وقفه أو تجميده هو حديث يتعلق بالأمور الرسمية، أي البناء الذي يتم بدعم حكومي رسمي وبمخططات معروفة. ولكن هناك منظمات استيطانية هي بنفسها تجمع التبرعات وتقوم بالبناء، وتوسيع ما تم بناؤه من دون علم الحكومة الرسمي، بل باطلاعها إذ أن إضافة أي بناء يتم بالحصول على ترخيص، ولكن من المجلس المحلي للمستوطنة الذي له صلاحيات بذلك.
والمنظمات اليهودية الداعمة للاستيطان هي عديدة سواء داخل إسرائيل أو في الخارج، وهذه المنظمات تجمع كميات كبيرة من الأموال لدعم ولتعزيز الاستيطان في المناطق العربية المحتلة منذ عام 1967. والغريب أنه لو سُئلت الحكومة عن تواصل هذا البناء، فإنها ستنفي علاقتها به، وستعتبره تصرفاً ذاتياً أو فردياً من قبل المستوطنين، أي أنها قد تدعم الاستيطان الفردي من وراء الكواليس، وفي الوقت نفسه تَدّعي أنها جمدت الاستيطان من ناحيتها. وإذا ما ازداد الضغط عليها لوقف هذا البناء فإنها ستجد المبررات لتواصله أو الادعاء بأنها ستعمل قدر الامكان لإيقافه.
خلاصة القول أن إسرائيل لن توقف سياسة الاستيطان، وخاصة أن الحكومة الحالية هي مؤلفة من عناصر وقيادات استيطانية، ولكنها ستحاول الضحك على ذقون الأميركان من خلال تقديم اقتراحات على الورق، لا تطبق على أرض الواقع..
كم من مرة أعلنت إسرائيل عن إجراءات لتحسين حياة المواطن وأثارت ضجة إعلامية حول ذلك، وصدقها المجتمع الدولي، ولكن على أرض الواقع ازدادت معاناة المواطن الفلسطيني.
نتنياهو يحاول تخطي طلب أوباما بتجميد أو وقف البناء في المستوطنات بالالتفاف عليه، علما أن المطلوب ليس فقط وقف البناء في المستوطنات بل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية المحتلة منذ حزيران 1967، لأن الاحتلال هو جوهر المشكلة والنزاع، والاستيطان هو جزء فقط من هذه المشكلة.
والتساؤل الأخير الذي يمكن طرحه: إلى متى ستبقى إسرائيل مخادعة ومدللة وفوق القانون؟

Wednesday, July 15, 2009

حلّ الدولتين لا يعنينا لأنه مدخل ليهودية الكيان الصهيوني


المشاهد السياسي، 21-27 يونيو 2009


أكّد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، رفض الحركة لحلّ الدولتين، قائلا –في تصريح نقلته مجلة المشاهد السياسي في صدر موضوع غلافها الأخير- إنها مدخل ليهودية الكيان الصهيوني، لكنه عبّر عن قبول "حماس" لدولة على حدود ٥ يونيو ١٩٦٧، كما جاء في وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني. واعتبر مشعل الاعتقالات السياسية في الضفّة الغربية هي العقبة الرئيسية أمام نجاح الحوار، لافتاً إلى أن أوباما تناسى الحرب الإسرائيلية على غزّة ويتعامل مع "حماس" بلغة الشروط، رغم إقرار مشعل أن لغة أوباما أفضل من الإدارة السابقة، مشدّداً على أن تغيير اللغة وحدها لا يكفي.
طرحت عليه المشاهد السياسي مجموعة من الأسئلة كان أبرزها متعلقًا بالعلاقات بين حماس ومصر، وما إذا كان زيارته العاجلة للقاهرة تعني أن هناك شيئا جديدا في العلاقات بين الحركة ومصر؟ فأجاب:
نحن نزور القاهرة بدعوة رسمية من الوزير عمر سليمان الذي اجتمع مع وفد "حماس"، وكانت النقاشات طيّبة للغاية ومفيدة جدّاً، ولمسنا من الوزير عمر سليمان الحرص الكامل على نجاح الحوار الوطني الفلسطيني، وذكر لنا مدى الجدّيّة التي لمسها من الإدارة الأميركية الجديدة، ونحن بالطبع قلنا له إن خطاب الرئيس بارك أوباما من القاهرة كان فيه لهجة ولغة مختلفتين عن اللغة التي كانت تتحدّث بها الإدارة الأميركية السابقة التي لم نعرف عنها سوى لغة التهديد والوعيد، ونقلنا للوزير عمر سليمان أن "حماس" لن تكون عقبة في سبيل قيام دولة فلسطينية على حدود يونيو ١٩٦٧ كما جاء في وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني التي وقّعت عليها جميع الفصائل الفلسطينية في العام ٢٠٠٦، وهي أن تكون دولة ذات سيادة كاملة على كل أراضي الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس، وأن تكون دولة خالية من المستوطنات الإسرائيلية، مع الاحتفاظ بحق العودة لكل الشعب الفلسطيني، كما نصّت عليه جميع المواثيق الدولية.
(اقتربت المجلة أكثر وسألته):هل انتهت المشكلات بين "حماس" ومصر، خصوصاً تلك التي حدثت أثناء العدوان الإسرائيلي على غزّة؟ (فقال): ليس هناك أي مشكلات بين "حماس" ومصر، لأننا نعتبر مصر الشقيقة الكـبرى، ورغم أنني لم أزر القاهرة كثيراً في الفترة الأخيرة، إلا أن الاتصالات بين القاهرة و"حماس" مستمرّة، ووفود "حماس" من الداخل والخارج تزور مصر باستمرار، ونحن حريصون على التشاور والتنسيق مع مصر، ليس في ملفّات الحوار الفلسطيني فقط، لكن في الشأن السياسي العام في المنطقة، وكان هناك بعض التصريحات أثناء الحرب على غزّة، ربما تكون خرجت بشكل انفعالي نتيجة الحرب التي كانت على شعبنا، لكن في النهاية إن مصر دولة عربية كبيرة، وعلاقاتنا معها جيّدة، ونحن نحترم مصر ونسعى الى أن تساعدنا بكل ما يمكن لتحرير كل شبر من ترابنا الوطني، كما أن مصر تضطلع بملفّات رئيسية منها ملفّات المصالحة الوطنية الفلسطينية والتهدئة، وغيرها من الملفّات المهمّة، بالاضافة الى أن معبر رفح، وهو المعبر الوحيد لشعبنا نحو العالم الخارجي، نشترك فيه مع مصر، كل هذا يجعل علاقاتنا مع مصر قويّة وطيّبة. وأنا أعتقد بأن زيارتي الى القاهرة، والأجواء الايجابية التي صاحبتها واللقاءات المثمرة مع اللواء عمر سليمان، جعلت أي خلافات أو تصريحات خارج السياق في السابق وراء ظهورنا، وما وجدته في مصر من ترحيب يؤكّد أن ليس هناك أي فتور في العلاقات بين "حماس" ومصر، لأننا ندرك تماماً أن مشكلتنا الوحيدة هي مع إسرائيل، وأن جميع الدول العربية هي سند وعمق للشعب الفلسطيني، و"حماس" حريصة للغاية على عدم التدخل في أي شأن عربي أو إسلامي، وما نهتم به هو تحرير أرضنا، ونحترم حدود الآخرين ومواقفهم، لأن إسرائيل هي التي تستهدف الشعب الفلسطيني والأمّة العربية والإسلامية، كما أنها تستهدف دور مصر الإقليمي.
وفي تساؤل أكثر مباشرة استفسرت المجلة: هل الاهتمامات العربية في الشأن الفلسطيني تعتبرونها تدخّلات خارجية؟
فأتى رده أكثر حكمة: بالعكس، نحن نعتبر جميع العرب إخوة لنا وشركاء في القضية الفلسطينية، ونرحّب بتفاعلهم ووقوفهم معنا ودفاعهم عنا في المحافل الإقليمية والدولية، لكن الاشتراطات الأميركية والإسرائيلية هي المرفوضة من جانبنا. لذلك أنا قلت كثيرا إن التعامل الأميركي مع "حماس" يجب أن لا يكون من بوابة الشروط.
(سألته المجلة): ما هي رؤيتكم للتغلّب على العقبات الثلاث التي تعوق التوصّل الى اتفاق مصالحة نهائي؟
(فأجاب): المشكلات التي تتعلّق بالأمن والحكومة والقانون الانتخابي كانت السبب في تأجيل جلسة الحوار التي كان متّفقاً عليها في ٩ ـ ١٠ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، و"حماس" جاهزة لحسم جميع الملفّات، ونجحنا خلال الفترة الماضية وطوال خمس جولات من حسم الكثير من الملفّات، ونحن نعمل على حلّ الملفّات العالقة حتى يمكن التوصّل الى اتفاق نهائي، لكن لا بد من أن أكون واضحاً تماماً، وهو أن ما يجري في الضفّة الغربية من اعتقالات سياسية يعطّل التوصّل الى اتفاق نهائي بين الأطراف الفلسطينية.
ورغم ذلك فنحن جاهزون تماماً للتوقيع على اتفاق المصالحة، نحن فقط نأمل في توقّف عمليات الاعتقال السياسي وتجاوز الخلافات في بعض الملفّات، وعندها سنكون جاهزين للتوقيع الشهر المقبل.
نحن في "حماس" غير معنيين بالآخرين، نحن كشعب فلسطيني نعاني الاحتلال في جزء من الأراضي الفلسطينية، والجزء الثاني محاصر جوّاً وبحراً وبرّاً، والجزء الأخير في الشتات يصارع من أجل الحصول على حق العودة، نحن معنيّون بقيام الدولة الفلسطينية فقط، لكن ليس لنا أي شأن بالآخرين، ونحن غير معنيين تماماً بقضيّة الدولتين، لأنه بصراحة شديدة حلّ الدولتين هو المدخل ليهودية الكيان الصهيوني.

إعادة إحياء العلاقات المصرية ـ الروسية


الأهرام الاقتصادي، 22-29 ينيو 2009


يرجع تاريخ العلاقات المصرية الروسية إلي أكثر من‏160‏ عاما عندما أنشأت روسيا القيصرية أول قنصلية لها بالإسكندرية في مطلع القرن التاسع عشر‏.‏ وتنتشر في روسيا العديد من المؤلفات الأدبية والشعرية عن مصر وتاريخها وحضارتها‏.‏ ولعل أكثر ما عكس هذا الدفء في العلاقات احتضان مصر للعديد من المهاجرين الروس خلال حقبة العشرينيات حيث وجدوا فيها وطنًا ثانيا‏.
‏ في موضوع غلافها الأخير سلطت مجلة الأهرام الاقتصادي الضوء على هذه العلاقات المميزة بين القاهرة وموسكو في سطور خطَّها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط تحت عنوان (إعادة إحياء العلاقات المصرية ـ الروسية).
مع تبادل العلاقات الدبلوماسية بين مصر والاتحاد السوفيتي في أغسطس عام‏1943,‏ دخلت العلاقات بين البلدين في مرحلة جديدة‏,‏ سرعان ما شهدت نشاطا غير مسبوق للعلاقات الثنائية في مختلف الميادين دون استثناء بلغت أوجها في حقب الخمسينيات والستينيات وحتي مطلع السبعينيات‏,‏ حيث شهدت تلك الفترة العديد من الإنجازات التي كانت ثمرة تعاون مشترك سواء في مجال الصناعة أو البحث العلمي أو الثقافة‏.‏ ومازال السد العالي والقلاع الصناعية الكبري التي تم إنشاؤها خلال تلك الحقبة تمثل خير شاهد علي هذا التعاون‏.‏ ولا يمكن أن نغفل الدعم والمساندة اللتين تلقتهما مصر من الاتحاد السوفيتي السابق خلال تلك المرحلة الدقيقة من تاريخها‏,‏ والتي شهدت ليس فقط عملية هيكلة اقتصادها في مرحلة الستينيات‏,‏ بل ومعارك تحرير أرضها المحتلة بسلاح سوفيتي حققت به نصرا غاليا‏.‏ورغم ما أعقب تلك الحقبة من انشغال كل بلد بأولويات مختلفة‏,‏ وما تبعها من انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة ترتيب البيت الروسي من الداخل فإن وجود أسس راسخة للتعاون بين الجانبين قد مثل أساسا جيدا للانطلاق نحو استعادة مستوي تعاونهما السابق بعد أن استقرت الأوضاع في روسيا الاتحادية وبدأت من جديد في التطلع نحو شركائها‏,‏ وكان من الطبيعي أن يعاود الجانب المصري والروسي مجددا الانفتاح علي الآخر‏.‏ولاشك أن الأعوام القليلة الماضية شهدت نقلة نوعية في العلاقات المصرية ـ الروسية أظهرها المستوي الرفيع والمتكرر من التنسيق والتشاور بين قيادتي البلدين حول مختلف القضايا الاقليمية والدولية‏,‏ والتبادل المكثف لزيارات مسئولي الجانبين.
وقد ترجمت إرادة البلدين في الارتقاء بعلاقتهما الي آفاق أرحب عبر اتفاق الشراكة الاستراتيجية الذي وقعه الرئيسان مبارك وميدفيديف خلال قمتهما يوم ‏23‏ يونيو الجاري كخطوة كبري نحو تحقيق نقلة نوعية في العلاقات الثنائية وهو إطار يرسي أساسا لمستوي أرفع من العلاقات بين البلدين يتكثف فيه التشاور وتتنسق المواقف وتتبادل الرؤي‏,‏ ويحفز علي المزيد من التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية‏.‏
وترى المجلة أن أهمية التنسيق المصري ـ الروسي يزداد في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط خاصة في ضوء عضوية روسيا الدائمة في مجلس الأمن‏,‏ ومشاركتها في الرباعية الدولية وروابطها الخاصة بجميع أطراف النزاع العربي ـ الاسرائيلي‏,‏ وتفهمها التقليدي لقضايا المنطقة‏,‏ وهو ما يجعلها أكثر قدرة علي التعامل مع مختلف الأطراف وحرصا علي التواصل معهم‏.‏ كما أن مكانة مصر وروسيا‏ يفرض عليهما مسئولية خاصة تجاه السعي لإحلال السلام العادل والدائم في المنطقة تراعي مباديء القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة‏.‏انطلاقا من العلاقات الخاصة بين البلدين وتقدير كل منهما لأهمية وثقل دور الآخر‏,‏ ينسق البلدان مواقفيهما في مختلف المحافل الدولية‏. وبالتوازي مع الجانب السياسي‏,‏ حظي التعاون الثنائي بين البلدين في المجالات التجارية والاقتصادية والثقافية والسياحية باهتمام خاص من البلدين‏,‏ حيث زاد حجم التبادل التجاري بينهما من‏350‏ مليون دولار عام‏2002,‏ إلي خمسة أمثال عام ‏2008,‏ وفي الوقت الذي بات فيه السوق الروسي أحد أهم أسواق الصادرات المصرية في منطقة شرق أوروبا‏,‏ باتت مصر أيضا أهم أسواق روسيا في الشرق الأوسط علي الإطلاق‏.‏ ومن هذا المنطلق يسعي الجانبان إلي زيادة حجم التبادل التجاري السلعي بينهما بما يستثمر الإمكانات الواعدة التي يتمتعان بها‏,‏ ويدعم هذا التعاون الطبيعة التكاملية لهياكل الإنتاج في البلدين‏.‏ وعلي صعيد الاستثمارات المشتركة‏,‏ فإنه مع وجود أكثر من ‏229‏ مشروعا تم إنشاؤها باستثمارات روسية في مصر‏,‏ فإن هناك آفاقا واعدة لزيادة تلك الاستثمارات وتنويع مجالاتها‏,‏ وهو ما نعمل علي التركيز عليه سواء علي المستوي الحكومي أو علي مستوي تجمعات رجال الأعمال‏,‏ وقد جاء طرح فكرة انشاء منطقة صناعية روسية خاصة في مصر لتمثل أحد الأفكار الهادفة إلي تطوير الاستثمارات المشتركة وتعزيز المشاركة بين قطاعات الأعمال بالبلدين‏.‏وتفرض تداعيات الأزمة المالية العالمية علينا تحديا إضافيا يتعين علينا التكاتف لمواجهته‏,‏ والحد من تداعياته السلبية علي مستوي التبادل السلعي والخدمي بين البلدين‏,‏ وهوما تعمل حكومتا البلدين علي دراسته سعيا للخروج بالعلاقات الثنائية من تلك الأزمة أكثر صلابة وتماسكا‏.‏

Saturday, July 4, 2009

هكذا سقطت "الجمهورية الثالثة


المشاهد السياسي، 14- 20 يونيو 2009


لم تفضِ نتائج الانتخابات النيابية في لبنان إلى تغير ملموس في موازين القوى الحالية، الأمر الذي يثير أسئلة لدى بعض اللبنانيين حول طول مخاض الحكومة الجديدة على ضوء هذه النتائج.
مجلة المشاهد السياسي حاولت التعليق على هذا المشهد، مبتدئة بـ"المفاجأة المتوقعة" التي أفرزتها الانتخابات اللبنانية في الداخل، ومشيرة إلى نتائج المعركة في الخارج، وبالتحديد على الساحة الإسرائيلية.
يمكن القول إن المعركة الانتخابية انتهت على نحو لم يتوقّعه أكثر المتفائلين في فريق ١٤ آذار، ولا أكثر المتشائمين في ٨ آذار، فقد استعادت الأكثرية في المجلس الحالي أكثريّتها (٧١ نائباً من أصل ١٢٨)، في حين سقط التحالف المعارض، أو فشل على الأقلّ في جمع الأكثرية التي يتطلّع إليها لتسمية رئيس حكومة جديد وتشكيل حكومة جديدة، وقد اعترف حسن نصر الله بالنتائج، وبالجروح السياسية (أو الندوب على الأقلّ) التي أسفرت عنها المواجهة، وأقرّ ضمنا ببعض الأخطاء وحمّل الآخرين وزر الأخطاء الأخرى.
هذه نقطة أولى في المشهد السياسي الجديد، أما النقطة الثانية فتتّصل بطبيعة الحال بقراءة نتائج المعركة من الخارج، وأبرز ما في هذه القراءة أن إسرائيل أعربت عن ارتياحها وحذّرت الحكومة اللبنانية (الحكومة الجديدة التي لم تتشكّل بعد) من أي نشاط عسكري ينطلق من أراضيها، أيّا كان شكله، وعادت إلى التذكير بضرورة تطبيق القرارين ١٥٥٩ و١٧٠١ المتعلّقين بسلاح المقاومة (وهما قراران لا تتوقّف إسرائيل عن انتهاكهما). وذهب وزير النقل الإسرائيلي إلى أبعد من ذلك، إذ قال إنه يجب تجريد "حزب الله" من سلاحه، معرباً عن اعتقاده بأن هذا الأمر يجب أن يكون شرطا لتعزيز تسليح الجيش اللبناني بأسلحة أميركية.
في النقطة الثانية أيضا يمكن القول إن المسؤولين الغربيين بصورة عامة، رأوا في عودة ١٤ آذار إلى الأكثرية علامة على أن لبنان لن يتحوّل إلى "جمهورية إسلامية" ولا إلى جمهورية موالية للغرب، وأنه محكوم (مرة أخرى) بمنطق التوافق الداخلي والائتلاف، بين "حزب الله" وحلفائه من جهة (أمل والتيار الوطني الحر ضمنا) والتحالف السنّي ـ المسيحي المقابل، تحالف ١٤ آذار، الذي اكتسب في الانتخابات الأخيرة شرعية مسيحية جديدة، ولو أنها ليست واسعة، أو في حجم الشرعيّة التي يؤمّنها تكتّل الجنرال ميشال عون.
الانتخابات الأخيرة كانت فعلا "أغلى انتخابات" في تاريخ لبنان. ومع أن أحدا لم يحتسب حتى الساعة حجم الانفاق المالي الحقيقي، فإن التقديرات الأولى تشير إلى أن أكثر من ملياري دولار أُنفِقا في المعركة، بحيث تجاوزت نفقات المرشّح الواحد ملايين الدولارات دعاية وإعلانا وتوزيع "مساعدات" أو رِشى على شكل مساعدات نقدا وعدّا، وسط استقطاب حاد مذهبي وسياسي معا.
لقد اصطف الدروز في أكثريتهم الساحقة وراء وليد جنبلاط، واصطف الشيعة وراء تحالف "حزب الله" ـ أمل، والسنّة وراء تيار "المستقبل". وحدها الساحة المسيحية كانت متعدّدة الألوان، وقد انقسمت بين مؤيّد لمشروع المقاومة ومؤيّد لمشروع المهادنة، لكن كل القوى تلاقت في نهاية المطاف على احترام أصول اللعبة، بما في ذلك "الأصول" اللبنانية في شراء الذمم والضمائر.
إلى جانب هذه المعاينات يرتسم كمّ كبير من الأسئلة والتساؤلات المتصلة بالمرحلة المقبلة لبنانيا وإقليميا ودوليا، وأبرز هذه الأسئلة:
ـ هل يشكّل النائب سعد الحريري الحكومة المقبلة؟
ـ هل تشارك المعارضة في هذه الحكومة بالثلث الضامن، أم تبقى خارج القرار الحكومي؟
ـ ما هو مستقبل الحوار الوطني الذي ينعقد دوريا في قصر بعبدا لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية الأجدى للبنان، مع الحفاظ على سلاح "حزب الله"؟
ـ هل تعود الأزمة اللبنانية إلى المربّع الأول ـ مربّع ما قبل اتفاق الدوحة ـ الأمر الذي يستلزم عقد اتفاق "دوحة ٢"، أم أن هذا الاتفاق لا يزال ساري المفعول في لبنان طالما أن المعركة لم تؤدِّ عمليا إلى أي تغيير في المشهد السياسي اللبناني وتوزيع القوى؟
ـ أين سيقف العالم من النتائج التي أسفرت عنها المعركة التي كانت إلى حد بعيد استحقاقا دوليا بامتياز؟
هذه الأسئلة وخلافها مطروحة، وحتى الآن ليس ما يدل على أن لبنان مقبل على كارثة أو مستعدّ لدخول النفق مرة أخرى، والجميع ينادي بالحوار كسبيل وحيد لحلّ المشاكل المطروحة، لكن الاستقطاب الحاد على المستويين الداخلي والخارجي ليس مطمئنا، وإسرائيل تتحيّـن الفرص للايقاع بين اللبنانيين وضرب صيغة التوافق القائمة، ومن الواضح أنها على استعداد لاستعمال كل الأسلحة من أجل توريط "حزب الله" في كل المواجهات الممكنة.
وفي النهاية هذا هو لبنان الذي ينام على استقرار ويفيق على توتّر، والعكس أيضا صحيح.

مدن المليارديرات تتحدى مدن الصفيح


عالم الاقتصاد، يونيو 2009


على عكس ما يشغل بال المنظمات الاقتصادية المعنية بمستوى الفقر وعدد الفقراء ومدن الصفيح في العالم، تحدثت مجلة عالم الاقتصاد عن تقرير أعدته مجلة "فوربس" الأمريكية المتخصصة في الشؤون المالية حول عدد عن مدن المليارديرات التي تزداد عاما بعد عام رغم الأزمات المالية الطاحنة التي تعصف بثلثي سكان الأرض.
في تقرير لها مؤخرا، ذكرت مجلة فوربس أن مدينة نيويورك استعادت لقبها كعاصمة المليارديرات في العالم، لتزيح موسكو، العاصمة الروسية، من هذا العرش الذي تربعت عليه لمدة عام كامل. وها هي نيويورك التي شهدت انفجار بركان الأزمة المالية العالمية الراهنة، تعج بالعشرات من المليارديرات. فيا ترى من أين حصدوا أموالهم، أم أنها هي الأموال التي سرقت من جيوب الناس الذين يتجرعون الأمَرَّين الآن؟
ورغم أن نيويورك تبوأت عرش مدن العالم لأكبر عدد من المليارديرات، إلا أن عددهم تراجع، ففي العام الماضي كان يعيش في المدينة 71 مليارديرا، أما اليوم، فلا يزيد عددهم عن 55 فقط.
وقالت "فوربس" إنه منذ انهيار مصرف "ليمان براذرز" في شهر سبتمبر 2008م الماضي، تأثرت ثروات رجال الأعمال في نيويورك. فقد خسر الملياردير "شوارزمان" 4 مليارديرات دولار أمريكي من ثروته؛ لتصبح الآن 100 مليون دولار أمريكي فقط. كما خسر موريس جريبرج وضعه كملياردير بعد انهيار المجموعة الأمريكية الدولية للتأمين، فبعدما كانت قيمة ثروته تصل إلى 1.9 مليار دولار أمريكي، أصبحت لا تزيد على 100 مليون دولار أمريكي اليوم.

سياسة بلقنة القدس


البيادر السياسي، 6 يونيو 2009


منذ العام 1967 عملت الحكومات الإسرائيلية بشكل مستمر على فرض سياسة الأمر الواقع من خلال إقامة المستوطنات وشق الطرق الخاصة حول مدينة القدس التي اعتبرتها عاصمتها، وهي التحركات التي أطلقت عليها مجلة البيادر السياسي مصطلح "بلقنة القدس" وخصصت موضوع غلافها الأخير لتوضيح الجهود الإسرائيلية الرامية لتحقيق هذا الهدف، وكيف أن الاحتلال يحاول تهويل ارتفاع عدد سكان القدس العرب؛ لتشجيع الإسرائيليين على التمسك بها والانتقال للعيش فيها، وكيف يصادر أكثر من 35 بالمائة من الأراضي لإقامة مستوطنات يهودية.
عملت إسرائيل على توسيع حدود القدس الغربية لتشمل العديد من المناطق في كافة الاتجاهات الممكنة ثم إحضار اكبر عدد ممكن من المستوطنين اليهود لفرض سياسة الأمر الواقع وتغيير الواقع الديمغرافي - السكاني بما يضمن تقليص الوجود العربي الفلسطيني وتحديد الزيادة السكانية العربية بما لا يزيد عن 30 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان بحيث تصبح سياسة فرض الأمر الواقع الأساس لدخول اية مفاوضات مستقبلية بشأن القدس .
كان الهدف من اقامة المستوطنات الإسرائيلية في القدس الفصل بين التجمعات السكانية الفلسطينية وعدم السماح بإمكانية التوسع الطبيعي للأحياء الفلسطينية وتقليص امكانيات توسع الأحياء العربية بواسطة اغلاق كافة الطرق امام سكان المناطق الفلسطينية. أضف إلى ذلك زيادة عدد المستوطنين، وفتح المجال امام الكثيرين لإيجاد السكن الرخيص نسبيا في المستوطنات المحيطة بالقدس وسكان المستوطنات هم ايضا قوة عمل وقوة شرائية بحيث تصبح القدس الغربية مركزا للتشغيل والخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية
احياء الإستيطان في القدس الهدف منه ايضا الإرتباط بالمستوطنات المحيطة بالقدس وربط المستوطنات ببعضها من خلال شبكات شوارع خاصة تلتهم الأرض الفلسطينية،اتخذت عمليات تهويد القدس في السنوات الخيرة مسارات اكثر وضوحا من خلال محاولات تكثيف الدعايات الكاذبة التي تسوق القدس وكأنها عاصمة يهودية عبرية منذ آلاف السنين، وضمن تلك الإدعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة وعلى رأسها الحرم الشريف ثم محاولات التقليل من اهمية القدس لدى المسيحيين والمسلمين وتشارك في الأمر بلدية القدس الغربية ووزارات السياحة والداخلية والدفاع ووزارات ومؤسسات مختلفة , وضمن عمليات التهويد نشر وتضخيم معطيات تشير الى ما يسمى بالخطر الديمغرافي - السكاني المزعوم يتم نشر الإحصاءات والإستبيانات بشكل دوري
للتأكيد على ان السكان الفلسطينيين في ازدياد مستمر، وان وتيرة ازدياد عدد السكان الفلسطينيين تصل الى ثلاثة اضعاف وتيرة ازدياد السكان اليهود وذلك عقب الزيادة الطبيعية النابعة من ازدياد نسبة الولادة مقارنة بالوفيات، وتشير الإحصاءات الإسرائيلية التي تسوق للشارع اليهودي انه خلال العقود الأربعة الماضية ازداد عدد السكان العرب بنسبة 268 بالمئة مقارنة بالزيادة لدى السكان اليهود التي وصلت الى 143 بالمئة فقط.
وتضيف المجلة أجهزة الإعلام الإسرائيلية وخاصة تلك الخاضعة لليمين والمتدينين تبرز بشكل دائم مسألة الولادات وارتفاع مستوى الخصوبة لدى السكان الفلسطينيين العرب، ولكن الكثير من هذه الإحصاءات مغرضة وغير دقيقة ولا تشير الى الهبوط الذي حصل في نسبة الولادات لدى السكان العرب منذ العام 2000 لآسباب متعددة منها هبوط نسبة الزواج لعدم توفر الإمكانيات المالية والسكنية وارتفاع تكلفة السكن، ثم ازدياد الهجرة القسرية من القدس، وارتفاع حالات رفض "لم الشمل" الى جانب ازدياد حالات الغاء المواطنة للسكان العرب .
وهنا تجدر الإشارة الى انه بعد مؤتمر انابوليس ازداد التحريض في الشارع الإسرائيلي ضد ما يسمى بتقسيم القدس حيث إنبرت فئات مختلفة ومؤسسات واحزاب لمهاجمة أي تصريح قد يستشف منه إمكانية لدخول في مفاوضات حول القدس. ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو استخدم هذا الأمر في حملاته الإنتخابية مرات عديدة والأكثر بروزا هي حين استخدم مقولة "بيرس سوف يقسم القدس " ولاحقا "اولمرت سوف يقسم القدس" وتحولت هذه المقولة الى شعارات انتخابية يلوح بها اليمين الإسرائيلي، وفي نفس الوقت تستغل من جانب المحرضين على اشكالهم للإدعاء ان السكان الفلسطينيين العرب يسعون للسيطرة على القدس، وان هنالك حرباً ديمغرافية وزيادة في عدد السكان الفلسطينيين وكل هذه الحملات الشعواء الهدف منها تضييق الخناق اكثر واكثر على المواطن الفلسطيني لجعله يترك المدينة ليهاجر الى خارج البلاد او لينتقل للعيش في مناطق الضفة الغربية. والملاحظ ان القيادات الإسرائيلية على اختلاف اطيافها تفضل عدم الخوض في مسألة المباحثات حول القدس , وعلى الصعيد الداخلي التصريحات دائما هي ان القدس لن تكون جزءا من المفاوضات او ان القدس لن تقسم مجددا او ان القدس بشطريها ستبقى عاصمة ابدية لإسرائيل وما الى ذلك من تصريحات مشابهة , والواقع انه رغم المباحثات مع الجانب الفلسطيني إلا ان السياسات المتشددة تجاه السكان الفلسطينيين في القدس اصبحت اكثر بروزا، والحكومات الإسرائيلية بمؤسساتها الوزارية تنفذ سياسة الأمر الواقع في القدس بشكل خاص ولا تقيم اعتبارا للإتفاقيات السابقة او للمباحثات الآتية، الأمر الي يضع الكثير من علامات الإستفهام على الأهداف الإسرائيلية، وقد لا تكون حتى امكانية الخوض في مباحثات حول القدس بسبب الواقع المفروض والتشابك الحاصل بين الأحياء الفلسطينية والإسرائيلية الذي وصفه احد الباحثين بسياسة بلقنة القدس "تشبيها بالبلقان"
ويشار الى انه قبيل مؤتمر انابوليس كانون اول 2007 بدأت حملة مسعورة وغير مسبوقة لتخطيط وبناء الأحياء اليهودية في القدس الشرقية ودخلت العملية بكل ثقلها مؤسسة إدارة اراضي اسرائيل (مينهال مكركعي يسرائل) لبناء عدد هائل من الوحدات السكنية للسكان اليهود فقط بمساعدة البلدية والمؤسسات الحكومية ويلاحظ الإرتفاع الضخم في مناقصات البناء التي طرحت فيما يتعلق بالقدس الشرقية .

الزمن


آفاق العلم، مايو - يونيو 2009


في تجاربنا اليومية... كيف نتعامل مع الزمن أو الوقت؟ هل هو البعد الرابع أم مجرد وهم؟ هل بدأ مع الكون أم كان موجودًا دائمًا؟ وماهو تأثير العوامل المختلفة في المجتمع فيما يتعلق بإدراكنا لمفهوم الوقت؟
مجموعة من الأسئلة حاولت مجلة آفاق العلم الإجابة عنها من خلال موضوع غلافها الأخير، والذي جاء تحت عنوان (الزمن).
أثبت عالم النفس الأمريكي "ألبرت ستيوارت" أن إدراك جريان الوقت يرتبط بصورة وثيقة مع مسألة الهوية الشخصية للإنسان ومع ثقافته وهما عاملان يتطوران بأسلوب مشابه لما يحدث مع اللغة، وبالتالي الوقت ليس بالضرورة مرتبط بالساعة البيولوجية الداخلية للإنسان والتي تنظم نشاطاته الحيوية... فالإنسان قام بخلق ساعة ذاتية منذ بدء التاريخ اعتمادا على ظواھر طبيعية محيطة به.
دراسات أخرى، ابتداءً بتلك التي قام بها عالم البيولوجيا الفرنسي "ليكومت دو نوي"، في ثلاثينيات القرن الماضي، وجدت أن ارتفاعا بسيطا في درجة حرارة الجسم يؤدي إلى تغيير الإدراك بالوقت... وقد تمت إعادة التجربة على مجموعات من النمل والنحل التي تأكل في أوقات محددة، وعند رفع درجة الحرارة، لوحظ أن هذه الحشرات بدأت في ترك مساحات زمنية أقصر بين الوجبة والأخرى.
كذلك فقد وجدت أبحاث مختلفة أن إدراك طول الوقت يختلف من فرد لآخر، فالوقت يمر بصورة أسرع بالنسبة إلى الطفل في حين أنه يتباطأ كلما زاد عمر الإنسان...
علماء النفس يؤكدون أن هذا مجرد خدعة مرتبطة بالذاكرة؛ فالدماغ يقوم عادة بإلغاء الذكريات الخاصة بأحداث مملة أو مكررة في حين أنه يحتفظ بالذكريات "الهامة" بكافة تفاصيلها... فالطفل يمر بأحداث وتجارب جديدة كل يوم وربما كل ساعة، لهذا عندما يستعيد الذكريات المرتبطة بأحداث عام ما، تكون سريعة وأكثر ديناميكية مقارنة بأحداث مرت على شخص مسن لم تعد هناك تجارب جديدة ليمر بها خلال ذلك العام؛ لهذا فالمسن يرى كل حدث جديد "نادر" كحدث طويل وممتد حيث قام دماغه بإلغاء جميع الأحداث المكررة التي مر بها خلال العام نفسه.

الفلسطينيون.. مرحلة انعدام الأمل


المشاهد السياسي، 31 مايو – 6 يونيو 2009


البداية كانت في مدريد، لكن ١٦ سنة مضت ولم تُوَصِّل عملية السلام إلى إقامة دولة فلسطينية. واليوم تواجه السلطة الفلسطينية التي انبثقت عن اتفاقات أوسلو مجموعة خيارات أحلاها مرّ، وفي زمن نتنياهو - ليبرمان كل شيء يدل على أن الأولويّة ليست لحلّ الدولتين، وأن صيغة «السلام مقابل السلام» التي تقترحها إسرائيل سوف تزيد المأزق الفلسطيني عمقاً.
إنها "الحراثة الفلسطينية في الماء الأميركي" على حد وصف مجلة المشاهد السياسي التي اعتبرت الوضع الراهن يشبه مرحلة انعدام الأمل.
التقارير والتحليلات التي نشرت بعد لقاء أوباما ـ نتنياهو تتقاطع على أن اللقاء لم يسفر عن شيء لجهة التوافق الأميركي ـ الإسرائيلي إزاء ملفّات الشرق الأوسط. حتى في الملف الإيراني لم يتوصّل الرئيس الأميركي الجديد الى انتزاع تعهّد واضح من إسرائيل بعدم القيام بضربة مفاجئة للمفاعل النووي، وكل ما تم التفاهم عليه إجراء مفاوضات جديدة مع إيران بسقف زمني محدّد (لا يتجاوز نهاية السنة الحالية)، حتى إذا لم تؤدّ الى نتائج كان الخيار العسكري مطروحاً. وكل ما يمكن الركون إليه في انتظار انتهاء المفاوضات مع إيران، هو تشكيل مجموعة عمل للشرق الأوسط برئاسة الموفد الأميركي جورج ميتشل، ومجموعة عمل أخرى لإيران برئاسة مستشار الأمن القومي الجنرال جيمس جونز، في الوقت الذي يتحدّث نتنياهو عن مفاوضات سورية ـ إسرائيلية عندما يتم حسم الملف الإيراني.
في موازاة هذا الكلام، لا يزال الجرح الفلسطيني ينزف. ويلاحظ أن الفلسطينيين جرّبوا حتى الآن كل أنواع الحوار في المساحة الممتدة من غزّة الى داكار مروراً بالقاهرة وصنعاء ومكة والدوحة، وأمضوا مئات الساعات يتناقشون في مشاكلهم الداخلية من دون جدوى.
ورغم كل الجهود التي تقول القاهرة إنها بذلتها حتى الآن، فإن شيئاً لا يدل على أن هناك بوادر اتفاق... وكل ما يحصل هو أن الفلسطينيين متفاهمون على متابعة الحوار سعياً الى اتفاق محاصصة لم يتم التوصّل إليه حتى الآن. وما يطفو على السطح هو وجود رؤيتين متناقضتين في الساحة الفلسطينية، الأولى تدعو الى المقاومة وتمثّلها «حماس» و«الجهاد»، والثانية تدعو الى السلم وتمثّلها «فتح». وبين الرؤيتين مساحة ضبابية تمثّلها الفصائل الباقية. وأطراف الصراع لا تريد الاعتراف علناً بأن التحدّي الخارجي يتمثّل في الفيتو الأميركي على خيار المقاومة، وهو العقبة الرئيسية أمام ما يسمّى «الوفاق» الفلسطيني، إذ عندما تقتنع الفصائل المقاومة بمبدأ نبذ «العنف» سوف يؤدّي ذلك الى التوافق الداخلي ولو لم ينعقد أي حوار.
وتتساءل المجلة: ماذا يعني هذا كلّه؟ لتجيب مسرعة: إنه يعني أن فريق نتنياهو- ليبرمان ليس مستعجلاً على أي حل سلمي مع الفلسطينيين ولا مع العرب، رغم وجود مبادرة السلام العربية التي توسّعت أخيراً الى ما بات يسمّى «حل الـ٥٧»، وهو يعني أيضاً أنه لم يعد أمام العرب ما يعرضونه على الأميركيين أو على الإسرائيليين. هذا في الوقت الذي لا يزال معه الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني قائماً، وتستمر الأمور كلّها في عنق الزجاجة المفخّخ.
والصراع بين الأطراف الفلسطينية مرصود على خمس قضايا كبيرة كل واحدة منها كفيلة بتفجيره في أي لحظة، هي: مستقبل منظّمة التحرير، إعادة تشكيل الأجهزة الأمنيّة، البرنامج السياسي للحكومة الفلسطينية الوفاقية (إذا تشكّلت) قضايا المعتقلين السياسيين في غزة والضفة، والانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. وقد تردّد أن وثيقة الوفاق الفلسطيني التي صاغها الأسرى الفلسطينيون في المعتقلات الإسرائيلية، كما اتفاق مكة، كفيلان بدفع الحوار الى نهاياته، لكن ما يحدث على الأرض يوحي بأن المخارج التي ترسمها هاتان الوثيقتان ليست كافية للتوصّل الى تسوية.
يعزّز الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني أن «فتح» التي كانت منذ العام ١٩٦٩ حزب المقاومة والثورة، تحوّلت بعد تأسيس السلطة في العام ١٩٩٤ الى حزب السلطة، الأمر الذي أحدث خللاً لا يزال يتعمّق في الجسم الفلسطيني المقاوم، ورغم حصول «حماس» على ٧٦ مقعداً من أصل ١٣٢ في انتخابات ٢٠٠٦ (نصيب فتح كان ٤٣ مقعداً وبقيّة الفصائل ١٣)، فإن هذه الأكثرية لم تحلّ المشكلة، لأن «حماس» تملك برنامجاً سياسياً ونضالياً لا ينسجم مع التطلّعات الأميركية ـ الإسرائيلية للحل، الأمر الذي أدّى الى تراجع الآمال بالتسوية المرتقبة، وهذا يعني أن ٢٦٨ جولة (وفاق المصادر الفلسطينية الرسمية) من المحادثات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، أوصلت الأمور في نهاية المطاف الى عنق الزجاجة، علماً أن هذه الجولات ـ على امتداد عام ونصف العام ـ لم توقف بناء المستعمرات، أو هدم البيوت، أو إجراءات التهويد في القدس وخارجها.

أمريكا ومصر.. تصحيح المسار


الأهرام العربي، 30 مايو 2009


من القاهرة يخاطب الرئيس أوباما العالم الإسلامي عما قريب داعيًا إلى حوار حضارات لا صدام حضارات، مكفرًا عن خطيئة المحافظين الجدد وإدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش
هذه الزيارة المرتقبة اعتبرتها مجلة الأهرام العربي بمثابة تصحيح للمسار، وتدشين لمرحلة جديدة من العلاقات الاستراتيجية بين البلدين
بالأمس البعيد أعلن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن (من ليس معنا فهو ضدنا)، وبالغد القريب سيحاول الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما نفيها، أو الالتفاف حولها، وربما الاعتذار بالنيابة عن قائلها، إلا أن جميع الخبراء قد أجمعوا على أن إعلان "حسن النيات" الذي سوف يطلقه أوباما من قلب القاهرة لا يكفي لمحو آثارها، فالعالم الإسلامي الذي يقدر تلك المبادرة الطيبة لا يمكن مداواة جرحه الممتدة بطول فترة بوش الابن، بكلمات تحذير على طريقة نابليون بونابرت الذي أعلن احترامه للإسلام، لكنه يحتاج إلى تغيير جذري في السياسات الأمريكية تجاهه سواء في الداخل الأمريكي أو عبر الحدود
لن يكون الخطاب وحده كافيًا، لأن هناك مشاكل كثيرة تعاني منها الولايات المتحدة في علاقاتها بالعالم الإسلامي أهمها ما يجري في أفغانستان وباكستان فضلا عن التطورات الأخيرة فيما يخص النووي الإيراني الذي بدأ يتحرك في أكثر من اتجاه، هذه الاتجاهات بينها رابط واحد هو الدخول في حوار مع العالم الإسلامي، والخطاب في حد ذاته يعطي مؤشرًا قويًا في هذا الاتجاه لكنه لا يكفي
ونقلت المجلة عن الدكتور حسين أمين، الأستاذ بقسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية، قوله: إن اختيار أوباما للقاهرة ليطل من خلالها على العالم الإسلامي يمثل رد اعتبار للدور المصري الرائد في منطقة الشرق الأوسط بعد حملة التشكيك التي تعرضت لها إبان محرقة غزة، فكان لابد أن يحدث في لحظة ما نوعًا من التوازن وإعادة الأمور إلى نصابها. وهو اختيار كان مرجحًا بنسبة 80%، كما يتبين في الأوراق التي قدمتها المراكز البحثية الأمريكية لأوباما، وفي مقدمتها الدراسة التي أعدها جون ألترمان –رئيس برنامج الشرق الأوسط-حول محورية الدور المصري في عملية السلام. وإن كنتُ أرى أن الزيارة كان يجب أن تمتد لأكثر من يومين، فيوم واحد فقط لا يكفي
وعزفًا على ذات النغمة ترى ميشال دان –الخبيرة في معهد كارنيجي للسلام الدولي-أن الزيارتين تعكسان رغبة الإدارة الأمريكية في تحسين العلاقة مع مصر، بعد أن مرت العلاقة بينهما بمراحل متشنجة بسبب حرب العراق والسياسات الأمريكية المتشددة ضد العالم الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكانت أبرز محظات هذا الخلاف خطاب وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس في الجامعة اللأمريكية بالقاهرة في يونيو 2005 حول نشر الديمقراطية، أما الإدارة الأمريكية الحالية فلم تضع بعد آلية واضحة للدفع بقضايا حقوق الإنسان أو نشر الديمقراطية في السياسة الخارجي. رغم ما حفلت به الصحافة الأمريكية من المقالات التي تدعوا أوباما لاقتناص تلك الفرصة للتبشير بالديمقراطية الأمريكية المزعومة على غرار سلفه بوش

عصر الكوراث البيئية


البيئة والتنمية، مايو 2009


الكوارث الطبيعية ازدادت ثلاثون ضعفًا، والثروة السمكية انخفت بنسبة تسعون بالمائة، والأنظمة البيئية تدهورت بنسبة 90%. هذا بعض مااقتبسته مجلة البيئة والتنمية في صدر موضوع غلافها الأخير من كتاب "يونيب" السنوي 2009، الذي يعرض تقدم العمل حيال التغير البيئي العالمي وما قد يتحقق مستقبلا، ويوضح إمكانية الانتقال: من الزراعة الصناعية إلى الزراعة الأيكولوجية، ومن مجتمع مبذر إلى مجتمع مقتصد بالموارد، ومن تنافس بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومة إلى نموذج أكثر تعاونًا قائم على الفوائد المشتركة.
وفي خضم الأزمة الاقتصادية يضيء الكتاب على مستقبل أكثر إشراقًا واستدامة، من خلال اقتصاد عالمي أخضر جديد يعزز كفاءة الموارد ويحسن إدارة الأصول الطبيعية ويُؤّمِّن فرص عمل لائقة في العالمين المتقدم والنامي.
يتم توليد أكثر من بليوني طن من النفايات سنويًا في أنحاء العالم. ويرمي الفرد في بلد متقدم حوالي 1,4 كيلوجرام من النفايات الصلبة يوميًا. هذه الكمية تتقلص وتستقر نتيجة تدابير تقليل النفايات وإعادة تدويرها.
(بجانب ذلك) هناك تطورات إيجابية في قطاع البناء والإنشاء بشكل خاص، أهمها تحسينات كفاءة الطاقة التي تهدف إلى خفض 30 إلى 4 % من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية.
ويبين الكتاب السنوي كيف أن تقليد الطبيعة، أي ما يُدعى المحاكاة الأحيائية، يمكن أن يقدم حلولا مذهلة. على سبيل المثال، مبنى (إيست جيت) في العاصمة الزيمبابوية هراري يعتمد نظام تبريد سلبي ذاتي صُمِّم على غرار بيوت النمل الأبيض. وهو يضم مكاتب ومتاجر ومواقف سيارات، ويستهلك طاقة أقل بنسبة 90% من المباني المماثلة؛ ما وفَّر أكثر من 3,5 ملايين دولار منذ افتتاحه في تسعينات القرن العشرين.
أما المياه النظيفة فيفتقر نحو 880 مليون شخص حاليًا إلى إمدادات وافية منها، وهناك 2,5 بليون شخص من دون خدمات صرف صحي محسنة في منازلهم. وبحلول سنة 2030 قد يعيش نحو أربعة بلايين شخص في مناطق تعاني نقصًا حادًا في المياة، خصوصًا في جنوب آسيا والصين. وتستهلك الصناعة 10 في المائة من المياه في البلدان القليلة والمتوسطة الدخل، ونحو 60% في البلدان مرتفعة الدخل. لذا تُدخِل مصانع حول العالم تحسينات على عملياتها للاقتصاد في استهلاك المياه والتقليل من تلويثها. ففي فنلندا، حوَّل مصنع للورق من معاجلة عجينة الورق كيميائيًا إلى معالجتها حراريًا وميكانيكيًا، وأنشأ مِرفقًا لمعالجة المياة المبتذلة بيولوجيًا، فحقق توفيرات في المياة بنسبة 90%.
وأشارت المجلة إلى أن التقرير السنوي يناقش الصلات بين الكوارث الطبيعية والتدهور البيئي والنزاعات وسرعة التأثر البشري والاجتماعي، فضلا عن أهمية الاستعداد للكوارث، إذ تُصبح هذه القضايا موضع قلق متزايد في عالم يربكه تغير المناخ.
وبينما بقيت الكوارث الجيولوجية، مثل الكوارث والبراكين، مستقرة تقريبًا خلالا القرن الماضي، فإن الكوارث المائية والمناخية، كالعواصف والأعاصير والفياضانات وموجات الجفاف، ازدادت بشكل مثير منذ 1950، وازداد عدد هذه الحوادث بمعدل 8,4 في المائة سنويًا بين عامي 2000 و 2007.
وأشار تقييمٌ حديثٌ إلى أن إجمالي عدد الكوارث ازداد من نحو 100 في كل عقد خلال الفترة بين عامي 1900 و 1940 إلى نحو 3000 كارثة في كل عقد بحلول تسعينات القرن العشرين. وأوردت دراسة أخرى أن إجمالي عدد الكوارث بين عامي 2000 و 2005 بلغ 4850 حادثة، وربطت ذلك بأمرين: "كوارث تكنولجية" مثل تحطم القطارات وانهيار المباني، و "حوادث مناخية".
وكانت سنة 2008 سنة أزمات الغذاء وتلوث المتجات، فقد هزَّت إيطاليا في مارس حوادث تلوث جبن الموتزاريلا بالدَيوكسينات، وهي مواد ذات علاقة بأمراض السرطان تنتج عن مجموعة من العمليات الصناعية بما فيها الاحتراق.
وفي سبتمبر من نفس العام تورطت الصين في حوادث خطيرة حيث تبين أن الحليب، بما فيه حليب الأطفال، ملوث بمادة الميلامين الكيميائية السامة.
وفي اليابان استردت شركتان كبريان في أكتوبر من العام نفسه أنواعًا من المعكرونة من الأسواق بعدما تبين أنها ملوثة بمبيدات حشرية. وبعد ذلك بأيام استردت أكبر شركة لتصنيع اللحوم في البلاد منتجات من الأسواق، إذ تبين أن المياه الجوفية المستعملة في مصنع قرب طوكيو احتوت على مستويات من مركبات السيانيد السامة.
وفي ديسمبر 2008 سحبت السلطات الأيرلندية من الأسواق منتجات من لحوم الخنزير بعد اكتشاف تلوثها بالديوكسين عن طريق العلف.
وخلال العقدين الماضيين، تم اكتشاف تلوث بالزرنيخ في عدد متزايد من البلدان في جنوب آسيا، فقد سجلت في نحو 30 بالمائة من الآبار الخاصة في بنجلاديش مستويات عالية من الزرنيخ، بمعدل يزيد على 0,5 مليغرامات في اللتر، وتأثُّر أكثر من نصف الوحدات الإدارية في البلاد بمياه شرب ملوثة.

الكويت: مجلس التغيير


المشاهد السياسي، 22-30 مايو 2009


ثلاثة عناوين كبيرة استخرجتها مجلة المشاهد السياسي من انتخابات الكويت الأخيرة: الأول دخول المرأة مجلس الأمّة في التجربة الانتخابية الثالثة (منذ العام ٢٠٠٥). الثاني: تراجع الإسلاميين لمصلحة المستقلّين. والثالث: فتح الطريق أمام إقرار الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، نتيجة الصراع بين مجلس الأمّة والوزراء، من خلال التصويت على برنامج التحفيز الذي يتجاوز حجمه ٥ مليارات دولار في المجالين المالي والاستثماري. لكن كيف كان ذلك ممكنا؟!
"سترون شيئاً مختلفاً هذه المرة"، صرَّحت بذلك المرشّحة الليبرالية الدكتورة رولا الدشتي، متوقعة أن تصل أربع نساء إلى الندوة البرلمانية، وصدقت. أربع وصلن هن: الدشتي، معصومة المبارك، أسيل العوضي وسلوى الجسار، ودخلن التاريخ السياسي الكويتي من أوسع الأبواب في ما بات يسمّى «مجلس التغيير».
وكان التغيير الأبرز، إلى جانب الاختراق النسائي، هو تراجع قوّة الإسلاميين السنّة من ٢١ مقعداً في البرلمان السابق إلى ١١ مقعداً في البرلمان الجديد، في الوقت الذي عزّز الليبراليون حضورهم وفازوا بمقعد إضافي. الشيعة حقّقوا تقدّماً لافتاً وضاعفوا حضورهم تقريباً في مجلس الأمّة. وقد بلغ عدد النواب الشيعة تسعة من أصل خمسين، يتوزّعون بين منتمين إلى تجمّعات سياسية دينية ومستقلّين ليبراليين (بينهم معصومة المبارك)، وتراجعت الحركة الدستورية (الإخوان المسلمون) إلى مقعد واحد للنائب جمعان الحربش، بعدما كانت تملك ثلاثة مقاعد في المجلس السابق، كما تراجع التجمّع الإسلامي السلفي من خمسة مقاعد إلى مقعدين، وبات الإسلاميون في المجلس الحالي يشكّلون ١٠ إلى ١١ مقعدًا.
ومن المفاجآت التي شهدتها المعركة سقوط أسماء بارزة لها ثقلها في الوسط السياسي الكويتي، أبرزها عبد الله النيباري (أمين عام المنبر الديمقراطي)، وأحمد المليفي الذي سبق أن أثار قضية نفقات مكتب رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، والنائب السابق عبد الواحد العوضي، وأحمد لاري (العضو في التحالف الإسلامي الوطني، كذلك سقط النائب السابق عبد العزيز الشاريجي من الإخوان المسلمين، وسقط معه النائب السابق محمد الكندري (من التجمّع السلفي).
هناك تساؤل هام يشغل الجميع الآن: ماذا بعد المعركة؟
وللإجابة عليه استعانت المجلة بدراسة مطوّلة أعدّها مركز كارنيجي للسلام، جاء فيها: إن فوز الليبراليين والمستقلّين والإصلاحيين بالأكثرية البرلمانية، قد يكون رد الفعل المتوقّع على حالة الإحباط التي أصابت الكويت في المرحلة الأخيرة، نتيجة الصدامات المتواصلة بين الحكومة والإسلاميين، لكن هذا الفوز لن يقود بالضرورة إلى إصلاح حقيقي.

وتضيف الدراسة: تحتاج الكويت إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميَّيْن، فالكويت على مسار إيجابي بشكل عام، وأخطر ما يتهددها هو زعزعة الاستقرار في المنطقة وليس المشاكل الداخلية، ومن المهم أن يفهم المجتمع الدولي ويقدّر حقائق الحياة السياسية الكويتية. وستتيح السنوات المقبلة فرصة هامّة لإجراء المزيد من الإصلاحات في الحكم والسياسة في الكويت، ويجب تشجيع هذا المسار؛ لأن تأثيره سيكون كبيراً على الاقتصاد والمجتمع. أما على مستوى الإصلاح السياسي، فيبدو من الأهميّة بمكان مساعدةُ الكويت في معرفة تطوير جمعيات أو أحزاب سياسية أكثرَ فعالية وإنتاجية، يمكنها أن تكون أكثر فعالية في مجال تطوير التشريعات والسياسات العامة.
وتنتهي الدراسة إلى القول: قد يكون أيضاً من الأهميّة بمكان للأنظمة الملكية الدستورية في العالم، أن تتشارك في شرح تاريخ تطوّرها، وفي النقاشات الداخلية التي قادتها إلى حيث هي اليوم، وقد تكون الإمارة الدستورية هي وجهة الكويت على المدى البعيد، شأنها شأن العديد من الأنظمة الملكية الحالية في العالم العربي، لكن اللاعب الغربي الأكثر حضوراً في الشرق الأوسط، أي الولايات المتحدة، لا يملك هذا الفهم لطبيعة نشُوء الأنظمة الملكية الدستورية، وفهمه للديمقراطية الجمهورية لا يتناسب مع واقع الكويت ومستقبلها.

العودة إلى نقطة الصفر


المشاهد السياسي، 17 – 23 مايو 2009


بين العام ١٩٩٦ يوم انتُخب رئيسا للحكومة لأول مرّة، والعام ٢٠٠٩ يوم عاد إلى رئاسة الحكومة بدعم يميني متطرّف، لم يتبدّل بنيامين نتنياهو، الذي قصد واشنطن لتمزيق كل الاتّفاقات التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية السابقة وإعادة خلط الأوراق، الأمر الذي اعتبرته مجلة المشاهد السياسي يمثل مراوحةً في العنف والتشدّد، وإبقاء المنطقة ككل في حمّى التجاذبات المتفجّرة.
إنه بنيامين نتنياهو، لا إيهود أولمرت أو تسيبي ليفني، وهو ينطلق من موقع الرفض لا القبول. إنه يصرّ على الاحتفاظ بمرتفعات الجولان على أساس أنها تضمن لإسرائيل تقدّما استراتيجيا "في حال قيام نزاع مع سورية"، وهو يرفض أي تنازل مسبق مع "حماس" أو مع "حزب الله"، ويرفض المحادثات المباشرة أو غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، ويرفض مراجعة السياسات الاستيطانية بقدر ما يرفض الاتّفاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية السابقة. ومع أنه ذهب إلى واشنطن الأوباميّة لا البوشيّة، فقد بدا مستعدًّا للمواجهة، معتمداً على اللوبي الإسرائيلي داخل الكونغرس، وهو ما انفكّ يتنامى في صفوف الديمقراطيين كما في صفوف الجمهوريين.
لكن شيئاً ما تبدّل على أي حال. على مستوى التعاطي الأميركي ـ الإسرائيلي الرسمي، يمكن الاستدلال إليه من خلال طبيعة الحضور الأميركي في مؤتمر «إيباك» الأخير الذي شارك فيه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز وخاطبه نتنياهو عبر الأقمار الصناعية. فقد درج المسؤولون الأميركيون على المشاركة في هذا المؤتمر على مستوى الرئيس الأميركي نفسه ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع، لكن ما كان لافتاً هذا العام هو غياب أوباما وغياب كلينتون. وقد اكتفت الإدارة الأميركية بإرسال رام إيمونويل رئيس هيئة موظّفي البيت الأبيض ليكون ممثّلاً في المؤتمر، والشيء نفسه يمكن معاينته على صعيد أعضاء الكونغرس، إذ لوحظ غياب عدد كبير من الشخصيات، بينهم نانسي بيلوسي زعيمة الأكثرية في مجلس النواب وجو بايدن رئيس مجلس الشيوخ.
في الوقت نفسه، ترتفع وتيرة الشكوى الإسرائيلية من تراجع مستوى التنسيق الأمني والسياسي بين إسرائيل والإدارة الأميركية الجديدة، حتى بات بعض صانعي القرار في تلّ أبيب يتحدّثون عن "خلل" في العلاقات الثنائية بين البلدين. وتقول مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى: إنه منذ تولَّى أوباما مهمّاته، وتحديداً منذ شكّل بنيامين نتنياهو حكومته، سُجّل تراجع حادّ على مستوى التنسيق بين البلدين.
وبصرف النظر عن مؤتمر «إيباك»، اعتبرت مجلة المشاهد السياسي رحلة نتنياهو الأولى إلى واشنطن، بعد أربعة أشهر على تسلّم أوباما مهمّاته، محطّة مهمّة، في ظلّ التناقض المعلَن في توجّهات الطرفين الأميركي والإسرائيلي.
هذا الانسداد الكامل لأفق أي تسوية فلسطينية في إطار خيار الدولتين، شكّل صدمة للرئيس الأميركي الجديد أوباما، الذي سارع فور صدور نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى الاتصال بشيمون بيريز لـ«حثّه على مواصلة الالتزام بخيار الدولتين». بيد أن هذا سيكون من الآن فصاعداً، مجرّد تفكير رغائبي، إذ حتى في ظلّ حكومة كاديما ـ العمل، كان خيار الدولتين يتبدّد هباء منثوراً، بفعل وتائر الاستيطان اليهودي العالية في الضفّة والقدس.

هذا الحديث يقودنا إلى سؤال آخر: لماذا هذا التطرّف المتواصل في المجتمع الإسرائيلي؟ لندع مفكّراً إسرائيلياً، هو ماكسيم غيلان، الكاتب والصحافي والشاعر الإسرائيلي المعروف، يردّ على هذا السؤال. فقد أورد غيلان في مقابلة مع دورية «إيكزيكيوتيف إنتليجنس ريفيو»، النقاط الرئيسَة الآتية: في إسرائيل، هناك مجتمع يتحكّم الجيش (خصوصاً هيئة الأركان) بمصائره السياسية والاقتصادية والدينية. في هذا الجيش، توجد أخطر عصبة من الرجال على وجه الأرض. ليس هناك على وجه البسيطة قادة وجنرالات متطوّرون للغاية، ويمتلكون كميّات هائلة من أسلحة الدمار الشامل، كما في إسرائيل. إنهم متطرّفون للغاية، وقوميّون متعصّبون للغاية. وثمّة أنظمة مجنونة أخرى في العالم، لكن ليس كما في النظام الإسرائيلي. فهذا الأخير يعتبر «العالم كلّه ضدّنا»، ويعلّم أطفاله أغنية تقول هذا الشيء بالذات. ليس ثمّة دولة أخرى كإسرائيل، تهدّد بتدمير العالم من خلال حرب نوويّة، أو من خلال ارتكاب انتحار جماعي (عقدة الماسادا). نعم، الإسرائيليون يستطيعون تدمير العالم أو إشعال حرب عالمية تدمّره. والمؤسّسة العسكرية الإسرائيلية تمتلك الوسائل الضرورية لذلك.
إنهم جنرالات إسرائيل الذين يمثّلون التيار اليميني المتطرّف العنيف الذي أسّسه زئيف جابوتنسكي في مطلع القرن العشرين، هم الذين يقودون المرحلة الحالية، وهذا يعني وضع التسوية الفلسطينية في الثلاّجة من الآن وحتى إشعار آخر. والذين يراهنون على «ضغوط» أوباما يراهنون على وَهْم كبير.

أوباما ونتانياهو.. اتفقا على ألا يتفقا


الأهرام العربي، 23 مايو 2009

انتهت الجولة بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الاثنين الماضي في البيت الأبيض (صفر – صفر)، فكل طرف هاجم في ملعب الطرف الآخر، إلا أن أيا منهما لم يُحرز أهدافًا حقيقية، وخرجا معا بعد المباراة وكل منهما متمسك بمواقفه وكأنهما اتفقا على ألا يتفقا.
ملخصٌ مفيد، قدمته مجلة الأهرام العربي بين يدي حديثها عن دلائل وتداعيات زيارة نتانياهو إلى واشنطن منذ أيام.
حاول نتانياهو استخدام طريقة الهجوم فقط بدلا من الدفاع فقط. حيث أشار إلى أن أمن إسرائيل في خطر في ظل السعي الإيراني للحصول على سلاح نووي، وأكد أهمية الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، كما سرب اللاعبون في فريقه أن الدول العربية تخشى إيران النووية وليس إسرائيل، وأن العدو هو التطرف والإرهاب اللذان تمثلهما إيران؛ لأن الصراع المقبل هو بين الاعتدال والتطرف.
كلها كانت محاولات للمراوغة في وجه أوباما الذي رمى بالكرة في الملعب الإسرائيلي مجددًا؛ عندما أكد أن تحقيق السلام يقع في إطار المصلحة القومية الأمريكية، وأنه يقوي مكانة الولايات المتحدة في المجتمع الدولي، وعند التعامل مع التهديد الإيراني المحتمل، مشيرًا إلى أن تحقيق التقدم الدولي نحو دولة فلسطينية وإصلاح الصورة الأمريكية في الخارج مترابطان مع بعضهما البعض، كما تمسك أوباما بحل الدولتين ووقف الاستيطان الإسرائيلي وإرجاء البت في الملف النووي الإيراني لإعطاء الحوار مع طهران فرصة إلى ما بعد انتخاباتها الرئاسية، أي وضع جدول زمني للتعاطي الدبلوماسي مع إيران، مع التأكيد على أهمية التعامل الأمريكي مع هذا الملف، لأنه مؤثر على الأمن القومي الأمريكي، وليس الإسرائيلي فقط.
واستمرت المباراة أو اللقاء بين أوباما ونتانياهو حوالي الساعتين، لم يتفقا خلالها إلا على إمكانية تشكيل آلية لبحث الاستيطان وضرورة إرجاء المستوطنات، وهي فكرة إسرائيلية يمكن احتسابها كمحاولة فاشلة للتسديد بعد احتساب ضربة جزاء، لأن أوباما أكد بوضوح رفضه توسيع المستوطنات في المؤتمر الصحفي المشترك مع نتانياهو.
وطرحت المجلة تساؤلا هامًا: ماذا يمكن للعرب أن يفعلوا (الذين يلعبون حاليًا دور المشاهد لهذه المباراة مع تشجيعهم لفريق أوباما)، لمحاولة تثبيت مواقف الإدارة الأمريكية الأخيرة، وعدم السماح بهزيمة تلك المواقف في المباريات المقبلة مع الجانب الإسرائيلي؟ خصوصًا أن جماعات الضغط الإسرائيلية بدأت في شحذ أدواتها للهجوم على إدارة أوباما في الفترة المقبلة، مما سيعرض الأخيرة لضغوط كبيرة وادعاءات بأنها لا تهتم بأمن إسرائيل بالشكل الكافي، وأن اليهود معرّضون لمحرقة جديدة على يد طهران وأحمدي نجاد لتَكرار لعبة هتلر معهم.
الأمر المؤكد هنا أن الإدارة الأمريكية لا تتخذ المواقف الإيجابية لسواد عيون الفلسطينيين أو العرب؛ بل لأن تجاربها على مدى السنوات الأخيرة أثبتت أنه من المهم حماية الولايات المتحدة والعالم العربي من خطر (ما يُسمى بـ) التطرف، وأن وعد الوصول لحل للقضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي سيؤثر بالإيجاب على أسلوب المواجهة الأمريكية مع (ما يسمى بـ) الإرهاب، وكذلك في زيادة مصداقيتها في مواجهة إيران وإضعاف الكروت العربية التي تلعب بها طهران مباراتها المقبلة مع واشنطن، والتي من المنتظر أن تبدأ قريبًا.
لكن نتانياهو، الذي يدرك أن مستقبله قد يكون في يد أوباما على الأقل في الفترة الحالية، حاول عدم إيصال المباراة إلى درجة الصدام؛ حتى لا ترفع الإدارة الأمريكية الكارت الأحمر في وجهه، لهذا حاول المراوغة بالكرة طوال المباراة والتركيز على ملف إيران النووي، إلا أنه لم يمتلك معلومات مؤكدة حوله. كما حاول التلويح بإمكانية توجيه ضربة عسكرية لقطاع غزة في حالة لم تتحرك ملفات التهدئة والجندي الأسير جلعاد شاليط.
ولأن العرب يجب ألا يكتفوا بدور المشاهدين للمباراة كان لابد من طرح هذا السؤال: ماذا يمكن أن تفعل الدول العربية لارتداء الملابس الرياضية والتسخين ثم النزول إلى أرض الملعب للمشاركة واغتنام الفرصة الحالية التي قد لا تتكرر أبدًا في المستقبل؟ خصوصًا أن الاكتفاء بدور المشاهد فقط قد يؤدي لاستجابة أوباما لضغوط الموالين لإسرائيل.

Sunday, June 21, 2009

مخاطر الاستراتيجية العسكرية لإدارة أوباما


أبيض وأسود، 10 - ... مايو 2009


تحرص إدارة الرئيس (باراك أوباما) حرصا شديدا على تقديم نفسها في ثوب سياسي مختلف عن إدارة الرئيس (بوش الابن)، برفعها لشعاريْ (الانفتاح السياسي على خصوم الأمس والحوار معهم)، و(تصفية الحروب المباشرة التي ورثتها عن الإدارة السابقة في العراق وأفغانستان، واستعادة هيبة الولايات المتحدة باستخدام القوة الذكية).
إلا أن مجلة أبيض وأسود السورية رأت أن التغيرات العملية لسلوك واشنطن في عهد أوباما، قد لا تكون بنفس القدر من الاختلاف عما كانت عليه في عهد سلفه، وهو الأمر الذي حاولت التدليل عليه في عددها الأخير.
رغم أنه من السابق لأوانه الحكم على سياسات (أوباما) في المائة يوم الأولى من حكمه، أو التشكيك في رغبته في الابتعاد عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها سلفه، أو التقليل من النتائج الإيجابية على البشرية الناجمة عن توقف إعصار نزعة القوة العاتية لإدارة (بوش الابن)، قد يكون من المطلوب رصد التغيرات العملية لسلوك واشنطن، والحد من بناء مواقف وتصورات تتلهف لمفاضلة أخلاقية وسياسية بين الرئيسين (أوباما) و(بوش الابن)، أو بين نائبيهما (بايدن) و(تشيني). فالولايات المتحدة الأمريكية في عهد (أوباما) لم تتخلَّ بعدُ عن سعيها لأن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكيا، ولم تراجع بعدُ استراتيجيات تأمين مصالحها ومصالح حلفائها في العالم، ولم تفكك عناصر هذه الاستراتيجيات، التي لا تفصل بوضوح بين الجهود الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لتأكيد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، بما هو ديدن خطط الإدارات الأمريكية في العقود الثماني الأخيرة، بدءا من إدارة (فرانكلين روزفلت) (1932 - 1945)، وصولاً إلى إدارة (بوش الابن) (2001 - 2009)، تارة في احتواء الخصوم بجاذبية النموذج الأمريكي، وتارة بالاحتواء العنيف الذي دفعها لارتكاب أكثر من (250) عدوانا وتدخلا في القارات الخمس منذ العام 1945، أودت بحياة ملايين البشر.
أبشعها إشعال حرب أهلية في اليونان 1949 قتل فيها (154) ألف مواطن يوناني، وشن حرب على فيتنام (1954 - 1975)، أبيد فيها أربعة ملايين فيتنامي، وتدبير انقلاب (سوهارتو) ضد رئيس اندونيسيا (سوكارنو) في العام 1968، أبيد فيه مليون من الإندونيسيين في عمليات إعدام جماعية، وانقلاب على الرئيس (سلفادور اليندي) في تشيلي في العام 1973، أعدم فيه (30) ألفا من مؤيديه، وحصار العراق منذ العام 1991 حتى احتلاله في (نيسان 2003)، وقضى في الحصار والحرب على مدار ثمانية عشر عاما متواصلة أكثر من مليوني مواطن عراقي، واحتلال أفغانستان 2001، الذي يناهز عدد الضحايا المدنيين فيه حتى نهاية 2008 أكثر من ثمانمائة ألف أفغاني. وهذا يدلل على أن الحروب الأمريكية غير المباشرة، لم تكن بنتائجها وكلفتها البشرية والأخلاقية أقل وحشية وهمجية من كلفة الحروب الأمريكية المباشرة، وللاستنتاج السابق صلة وثيقة بمخاطر خطة (الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في القرن الـ21)، الموضوعة من قبل (باراك أوباما) ونائبه (جو بايدين)، والتي قد تؤدي تطبيقاتها العملية لانحراف سياسيات إدارة (أوباما) لسياسات شبيهة بسياسات إدارة (بوش الابن)، وإن اختلفت معها في الشكل وآليات التنفيذ.
وتشير المجلة إلى أن الخطة الاستراتيجية العسكرية (لأوباما) و(بايدين) تنطلق من تقليص التواجد العسكري الأمريكي التقليدي في الخارج، جنبا إلى جنب مع الحفاظ على التفوق النوعي العسكري المطلق، وإعادة هيكلة القدرة العسكرية وفقا لذلك؛ بإعطاء الأهمية القصوى لإنتاج وتحديث أنظمة السلاح الحديثة، لكافة تشكيلات القوات المسلحة، لتحقيق هدف واحد فقط، هو زيادة (القوة الشمولية الأمريكية)، وخاصة (المحافظة على التفوق العسكري في الجو)، برصد موازنات كبيرة للصناعات العسكرية الجوية لتأمين احتياجات القوات الجوية الأمريكية، بما يمكّنها من القيام بعمليات حربية لفترات طويلة في الشرق الأوسط.
وتخطط إدارة (أوباما) لتسليح القوى الجوية بعدد كبير من طائرات الاستطلاع دون طيار، وأحدث وسائل الحرب الإلكترونية، وزيادة عدد طائرات النقل العسكري (C17)، وطائرات تزويد الوقود في الجو(KC-X)، التي تؤمّن قدرة تنفيذ ضرب الأهداف في أية نقطة من الكوكب الأرضي. وتخصيص تمويلات مالية كبيرة لاستمرار الاستراتيجية الأمريكية التقليدية (السيادة في البحر)، حيث تدعو خطة (أوباما - بايدن) إلى (التفوق المطلق الأمريكي في القوى البحرية الحربية). عدا ذلك، تتضمن العقيدة الجديدة التزام الإدارة الجديدة (بنشر السيادة الأمريكية في الفضاء). ذلك أنها تعتبر أنظمة الدرع الصاروخي الدفاعية أولوية هامة (للاستراتجية الأمريكية العسكرية للقرن الـ21)، وهو أكثر المشاريع العسكرية تكلفة من حيث النفقات المالية. وحسب خطة (أوباما - بايدن)، فإن العنصرين الأساسيين للسياسة العسكرية لإدارة (أوباما) هما متابعة مهمة قوات الناتو في أفغانستان، والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع (إسرائيل)، وأولى المهمات الحساسة للولايات المتحدة الأمريكية في القرن الـ(21) هي توطيد التكامل الداخلي للحلف الأطلسي؛ حيث إن توطيدا كهذا يجب أن يتوصل إليه عبر إجراء عمليات عسكرية مشتركة. والمهمة الأخرى التي توازيها هي الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لـ(إسرائيل)، وفي كلتا المهمتين هناك خطر ماثل للعيان بانحراف الاستراتيجية العسكرية لإدارة (أوباما) نحو سياسة شبيهة باستراتيجية إدارة (بوش الابن)، والتورط في شن حروب عدوانية جديدة، على الأغلب أنها لن تخوضها مباشرة؛ بل عن طريق وكلاء، ولذلك يجب الانتباه بجدية للتهديدات الإسرائيلية ضد إيران، رغم الحسابات الأمريكية والإسرائيلية المعقّدة الرادعة لفكرة شن مثل هذا العدوان، بما فيها محذور الرد الإيراني الموجع.

الكيان الصهيوني.. حكومة فاشية جديدة


الهدف، العدد 1413، عام 2009


(الكيان الصهيوني.. حكومة فاشية جديدة) عنوان معبّر، اختارته مجلة الهدف الفلسطينية لموضوع غلافها الأخير، الذي خصصته

للحديث عن الممارسات الصهيونية الإجرامية التي ترتكبها الحكومة المتطرفة الجديدة بحق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها مشروع تهويد القدس الذي يمتد من "اللطروف" على الجانب الشرقي من مدينة القدس حتى مدينة بيت لحم، ويشمل إقامة بنية تحتية للمستوطنات وسكة حديدية للربط بينها تمتد بين بيت لحم والقدس، ويهدِف المشروع لزيادة عدد الصهاينة في القدس؛ عبر إقامة المستوطنات ونقل الصهاينة من المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948 على ساحل البحر إلى القدس، بعدما توجه قرابة مليون صهيوني في أوقات سابقة من داخل القدس لهذه المدن؛ حتى يتم تهويد القدس وتخفيض عدد العرب الفلسطينيين فيها إلى 12 %.
تستمر حكومة الكيان الصهيوني في مخططاتها الصهيونية لتهويد القدس، وطمس معالمها الحضارية، وتدمير وجود الشعب الفلسطيني في القدس المعوّل عليها لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة. كما تستمر في عمليات الخطف والاعتقال للمناضلين الفلسطينيين، وتوسيع المستوطنات، والاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري، وهدم البيوت، واقتلاع الأشجار، وممارسة أشد وأبشع أنواع الأعمال البربرية العنصرية بحق الشعب الفلسطيني، إضافة للظروف غير الإنسانية التي تعامل بها الأسرى البواسل في معتقلاتها الفاشية. وفي سياق حملتها تواصل سلطات الاحتلال نهب ثروات الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها المياه والأرض، وقد أشار البنك الدولي في تقرير له إلى أن الكيان الصهيوني يستولي من مياه الفلسطينيين على ما يزيد عن أربعة أضعاف ما يحصل عليه أهلنا في الضفة والقطاع، واعتبر التقرير أن اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 التي تنظم توزيع المياه، ثبت عدم ملاءمتها، وأن وضع اقتصاد المياه الفلسطيني قريب من الكارثة. فنقص المياه لدى الفلسطينيين ناتج عن سياسة القيود التي تطبقها سلطات الاحتلال، وسيطرتها على الموارد المائية.
على صعيد الأرض، يعتزم الكيان الصهيوني تنفيذ أكبر مخطط استيطاني منذ العام 1948 في مناطق السلطة ومدينة القدس، وذلك بتكلفة 1.5 مليار دولار على مدى خمسة أعوام. الأمر الذي وصفه "خليل التفكجي"، مدير دائرة الخرائط والمساحة الفلسطينية بأنه أضخم وأخطر المشاريع الصهيونية التي سارعت حكومة نتنياهو الفاشية العنصرية للتصديق عليها فور تسلم مهامها.

زيارة نجاد إلى سوريا.. تعميق التحالف الاستراتيجي


الانتقاد، 8 – 15 مايو 2009

ماهي دلالات زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى دمشق؟
تساؤل أجابت عنه مجلة الانتقاد في موضوع غلافها الأخير، مؤكدة فشل رهان المراقبين على تفكيك الحلف بين الدولتين، في إطار صفقة أمريكية وشيكة قد تُعقد في أي وقت بين أحد الطرفين.
منذ انطلاق قطار المصالحة العربية ـ العربية، أو ما سمي محاولة التفاهم على إدارة الخلافات العربية ـ العربية، ولاسيما بين سوريا والسعودية من جهة، وسوريا ومصر من جهة ثانية. والتحليلات تتمحور حول مستقبل العلاقة بين طهران ودمشق والثمن المطلوب من الأخيرة دفعه مقابل مغريات سياسية واقتصادية تدفعها لها بعض الدول العربية مقابل تخليها عن شراكتها الاستثنائية مع إيران، وإفقاد الأخيرة موطئ قدمها المتوسطي وعلى التخوم الإسرائيلية.
وقد كُتِب في هذا السياق كمٌّ من التحليلات الإعلامية التي حاولت التبشير بمرحلة جديدة تتخلى فيها دمشق عن ظهيرها الإقليمي الإيراني مقابل ظهير إقليمي آخر يستعيد عنوان الثلاثية المصرية السعودية السورية. إلا أن زيارة الرئيس نجاد جاءت لترمي بدلوٍ كبير من الماء البارد على رؤوس أصحاب هذا الرهان.
تبقى ملاحظة أخيرة، وهي أن الزيارة والمواقف التي رافقتها أتت في ذروة استعادة الكلام الإسرائيلي وغير الإسرائيلي عن ضربة محتملة لإيران، يمكن أن تباشرها إسرائيل؛ حيث تشهد المنطقة سلسلة مناورات، من ضمنها الأميركية الإسرائيلية المخصصة لاختبار منظومة حيتس2 المضادة للصواريخ، وغيرها من المنظومات المصنفة "دفاعية" بالمفهوم العسكري التقني، والمخصصة حصرا لاختبار الجهوزية للتصدي لاحتمال إمطار إسرائيل بسيل من الصواريخ الإيرانية، فضلا عن المناورة الأكبر في تاريخ الكيان الصهيوني مطلع الشهر القادم، والمخصصة لاختبار الجهوزية القومية الإسرائيلية الكاملة لكل القطاعات لاحتمالات حروب قد تقع غدا، ومن جبهات عدة، وفي وقت واحد.

Monday, May 18, 2009

طالبان تدقّ أبواب العاصمة


المشاهد السياسي، 10 – 16 مايو 2009

ماذا يعني سقوط إسلام آباد في يد طالبان؟
تساؤل لخصت مجلة المشاهد السياسي إجابته في كلمات موجزة، هي: أنه يعني بكل بساطة أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة (ومعها القوّات الأطلسية) في أفغانستان، من دون أن تتمكّن من حسمها، صارت مستحيلة، لأن التماهي بات كاملاً بين طالبان و"القاعدة" والجماعات الإسلامية في باكستان كما في أفغانستان، وتجربة السنوات الثماني الأخيرة تعني أمراً واحداً: الحلّ مع الإسلاميين لن يكون عسكرياً، وتأمين الاستقرار في كابول كما في إسلام آباد يتطلّب مصالحة سياسية واسعة.
رغم أن الولايات المتحدة ضاعفت في الفترة الأخيرة الغارات التي تتولّاها طائرات بلا طيّار على هذه المنطقة، فإن الجيش الباكستاني الذي يؤكّد أنه فَقَدَ نحو ألفي جندي منذ العام ٢٠٠١، يبدي أفضلية لحلّ يقوم على التفاوض في بعض المناطق، مثل إقليم وادي سوات.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن طبيعة التطوّرات التي تشهدها أفغانستان، التي تُعدّ أحد أكثر الملفّات تعقيداً التي ورثتها إدارة باراك أوباما عن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، مع اقتناع واضح مفاده أن الإدارة البوشية أهملت ملف أفغانستان من أجل الاهتمام بالعراق. ومعظم الخبراء يعتقدون أن حظوظ الإدارة الأميركية الجديدة في تغليب لغة الدبلوماسية والتفاوض تبدو ضعيفة، والرئيس الأميركي يبدو واثقا من رهاناته، لكن هذه الثقة تصطدم، يوماً بعد يوم، بالمصالح المتضاربة، والنزاعات المحلّيّة، وطبيعة تركيب النسيج الاجتماعي الباكستاني والأفغاني معاً.
وكان أوباما قد أعلن في شهر آذار (مارس) الفائت، عن إمكانية إجراء حوار مع العناصر المعتدلة في طالبان، وأعقبت هذا الإعلان زيارة قام بها ريتشارد هولبروك في الخامس من نيسان (أبريل) إلى كابول، بصفته المبعوث الأميركي الجديد إلى أفغانستان. هذه الرحلة أثارت مجموعة تساؤلات أكاديمية وسياسية حول طبيعة هذا الحوار وأطرافه وشروطه. ويستدلّ من مراجعة هذه التساؤلات، أن (ما يُسمى بــ) الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها، وأن إطلاق صفة «الاعتدال» على فريق دون الآخر تمويه مقصود لا ينطبق على الواقع.
ويقول المحلّلون الاستراتيجيون الأميركيون: إن التقديرات حول ما تمّ إنفاقه في الحملة الأميركية ـ أو ما سمّته إدارة بوش الحرب على الإرهاب ـ تراوح ما بين ٧٠٠ مليار دولار و٤ تريليونات، وهي تشمل المخصّصات المالية لحربي العراق (٢٠٠٣) وأفغانستان (٢٠٠١)، والعمليات العسكرية التي قرّرتها الإدارة الأميركية السابقة ردّاً على عمليات ١١ سبتمبر ٢٠٠١، الأمر الذي يطرح مجموعة اجتهادات حول مدى الكفاية في استخدام هذه الأموال والنتائج التي حقّقتها.
وتضيف المجلة: في هذا السياق، يقول الخبراء: إن الانتكاسات الصغيرة التي يسبّبها القضاء على بعض كوادر التنظيم، هي مجرّد انتكاسات عابرة؛ لأن القاعدة أظهرت حتى الآن قدرة سريعة على ملء الفراغات على المستويات المتوسّطة والعليا، بالإضافة إلى أنها أظهرت كفاية في إعادة تنظيم صفوفها بشكل متكرّر. وإذا كانت قد عانت ضربات موجعة في العراق، فقد كانت قادرة على تعزيز مواقفها في باكستان، ومدّ نفوذها وضغوطها إلى أفريقيا، ليس في القرن الأفريقي فقط، وإنما في غرب أفريقيا أيضاً.
لذلك رأت المجلة أن الأزمة لن تنفرج بقوة السلاح، وأنه لا بديل عن الحوار والحلول الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه نقلت تحذيرات المختصِّين من الآثار الجانبية الخطيرة لهذا التقارب.
يرى مدير مركز دراسات الثقافة والصراع في البحرية الأميركية توماس جونسون، ضرورة الدخول في حوار مع طالبان كجزء من الاستراتيجية الأميركية لمكافحة التمرّد، لكنه يرى في الوقت نفسه أن هذا الحوار محفوف بالمخاطر؛ استناداً إلى سوابق في هذا الشأن. ووفقًا لجونسون، فإن فكرة الحوار مع طالبان هي مسألة خلافية، فبينما ترى مجموعة من القوى الدولية، لاسيما المملكة المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، والنرويج، جدواها، تشكّك مجموعة دول إقليمية أخرى، خصوصاً روسيا، والهند وإيران، في نتائجها. ويسوق معسكر الرفض اعتراضه على أن قوّات التحالف في الوقت الحالي تعاني موقف ضعف في أفغانستان، وبالتالي فإن أي حوار من هذا القبيل سيصبّ في مصلحة حركة طالبان. على الجانب الآخر، يرى المؤيّدون الذين ينتمي جونسون إليهم، أن هذا الحوار مع من سمّاهم بالمعتدلين من طالبان سيساهم بشكل كبير في إضعاف الصف داخل الحركة وشقّه.
نعود إلى السؤال: هل تسقط باكستان في يد طالبان؟
بعد مُضي حوالي مئة يوم من حكم باراك أوباما، لا تزال الحاجة ملحّة إلى رسم استراتيجيه أميركية بديلة في التعامل مع الحرب الأفغانية، لا ترتكز على البُعد العسكري فقط في المواجهة، لأن هناك مجموعة أمور لا بدّ من القيام بها، لعلّ أولها وأبرزها على الإطلاق بناء قاعدة اقتصادية سليمة للمجتمع الباكستاني، من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الأفغاني، فضلاً عن تحسين العلاقات بين باكستان وأفغانستان الجارة الأقرب، لأن باكستان هي الأكثر تضرّراً من تردّي الأوضاع في أفغانستان. هذه المقاربة تحتاج إلى وقت، لكنها المقاربة الوحيدة التي تسمح باستراتيجية خروج واضحة المعالم، لأنّ الولايات المتحدة لا يمكنها أن تبقى في كابول كما في إسلام آباد إلى الأبد.

الضباط الأربعة أحرار


أبيض أسود، 3-10 مايو 2009

اعتبره البعض "لعبة أدوار تاريخية، بكل ما في الكلمة من معنى"، فيما رآه آخرون "إيذانًا بفتح صفحة جديدة في مناخ العلاقات السياسية اللبنانية"، لكن مجلة "أبيض وأسود" نظرت إليه باعتباره "فاتحة تطورات دراماتيكية ستعصف ببقايا تحالف 14 شباط"!إنه قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري بإطلاق سراح الضباط الأربعة، وهم: المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد، والقائد السابق للحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج، والمدير السابق لمخابرات الجيش العميد ريمون عازار.بعد أربعة وأربعين شهرًا قضوْها في السجن أمر قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال فرانسين مساء الأربعاء (29/4/2009) بالإفراج الفوري عن الضباط الأربعة دون قيد أو شرط، خلال جلسة علنية عقدت في لاهاي، وطلب من السلطات اللبنانية تنفيذ هذا الأمر، واتخاذ كل الإجراءات التي تضمن سلامتهم، وذلك بناءً على طلب معلَّل من المدعي العام في المحكمة الدولية دانيال بلمار، أنه لا يجوز احتجاز الموقوفين أكثر من تسعين يومًا احتياطيًا، وأن المعلومات التي في حوزته حاليًا لا تتيح له اتهام هؤلاء الأشخاص الموقوفين، بعدما أثبتت دراسته المعمقة لكل المواد والمعلومات ذات الصلة، والتناقضات في إفادات الشهود وفي الأدلة، عدم قانونية اعتبار الضباط الأربعة مشتبهًا بهم، أو متهمين، بحسب نظام الإجراءات المعتمد في المحكمة الخاصة بلبنان؛ لأنهم لا يستوفون الشروط الأساسية التي تبرِّر احتجازهم المؤقت، ولا الإفراج المشروط عنهم.وبخروج الضباط الأربعة من بوابة سجن رومية المركزي شرق بيروت، دخل لبنان مرحلة جديدة تحرَّرَ فيها من أكذوبة أدوات إليوت أبرامز، الجاسوس الإسرائيلي الذي عينه بوش الابن في العام 2002 مسؤولاً عن ملف الشرق الأدنى وإفريقيا الشمالية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وجيفري فيلتمان السفير الأمريكي السابق في لبنان، والمساعد الحالي لوزيرة الخارجية الأمريكية. وهو ما يدشن لتطورات دراماتيكية ستعصف ببقايا تحالف 14 شباط

Thursday, May 7, 2009

مناورة إسرائيل: محاولة لبث رسالة ردع، حيال أعدائها


الانتقاد، 2 مايو 2009

تنوي إسرائيل، في 31 من الشهر الحالي، تنفيذ مناورتها الكبرى الثالثة للعام الثالث على التوالي، فيما يخص فحص جهوزية جبهتها الداخلية لمواجهة إمكان اندلاع حرب بشكل فجائي.
مجلة الانتقاد اعتبرت هذه المناورة إحدى العبر والدروس المستقاة من حرب تموز عام 2006، حين وجدت إسرائيل نفسها غير جاهزة وفاقدة لمقومات الصمود في جبهتها الداخلية.
بوشر العمل والتحضير للمناورة المذكورة في نهاية العام الماضي (2008)، وهي أوسع وأشمل من المناورتين السابقتين، وترمي إلى رفع الجهوزية الشاملة في الكيان الاسرائيلي لمواجهة خطر الصواريخ المقدَّر أن تصل وتتساقط في الحرب المقبلة، على كل مستوطنة إسرائيلية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
ويشير ضابط رفيع المستوى في الجبهة الداخلية الاسرائيلية، التابعة للمؤسسة العسكرية، إلى أن الهدف من المناورة هو جهوزية إسرائيل إذا وقعت حرب أو تعرضت إسرائيل لصواريخ دون سابق انذار"، ويضيف إن "الهدف النهائي هو تحويل السكان من الوضع السلبي إلى الوضع الإيجابي، وبأن الحرب يمكن أن تحدث غدًا صباحًا"، وتشمل المناورة التي تستمر خمسة أيام كاملة اختبار سلسلة من السيناريوهات التي تشمل احتمال سقوط صواريخ تقليدية وغير تقليدية تطلقها سوريا أو حماس أو حزب الله.وتشمل المناورة الكيان الإسرائيلي برمته، ويشارك فيها كل الإسرائيليين بجميع فئاتهم العمرية ومراتبهم وقطاعاتهم الانتاجية، أما المؤسسات والجهات المشاركة فيها، فهي سلطة حالات الطوارئ، والحكومة الاسرائيلية والمجلس الوزاري المصغر، المفترض بهما عقد اجتماعات وإصدار قرارات حاسمة في سياق المناورة، كما يشارك فيها أيضا الجيش الإسرائيلي بكل تشكيلاته وأجهزته، والوزارات والإدارات العامة والمجالس المحلية والمؤسسات التعليمية، إضافة إلى قوات الشرطة والدفاع المدني ونجمة داوود الحمراء وأجهزة الإطفاء.. وغيرها.
وتتسائل المجلة: ما الذي تشير إليه هذه المناورة؟
إنه ماء الوجه الذي فقدته إسرائيل وتريد استعادته، عن طريق إثبات أنها جاهزة للرد على أي مبادرة للهجوم عليها. وهذا وإن بدا للوهلة الأولى جيدًا للكيان الصهيوني، إلا أنه في الوقت ذاته يؤكد ضمنًا أن هذا الردع العسكري مفقود لديها، وإلا لما حاولت إرسال مثل هذه الرسالة في هذا التوقيت بالذات.
تريد إسرائيل، من خلال مناورتها الضخمة، أن تشير إلى أنها جاهزة للبدء بحرب وتلقي الردود، وأنها جاهزة في نفس الوقت لأي مبادرة للإضرار بها تشمل إطلاق صواريخ، سواء بدأت حربها بنفسها أو كرد فعل على عمل عدائي تجاهها.أي أن إسرائيل تريد توجيه رسالة ردعية والإشارة إلى قدرتها على امتصاص الهجمات والضربات، وهي رسالة موجهة للداخل الإسرائيلي وتخدم تعزيز الاطمئنان في نفوس الإسرائيليين وتعزز ثقتهم بمؤسستهم العسكرية، ومن جهة ثانية يؤمل منها أن تحول دون تفعيل أعداء الدولة العبرية لقدراتهم حيالها.لكن في نفس الوقت، من المفيد الإشارة إلى أن التأكيد على الجهوزية والاستعداد، باعتباره عاملا رادعا للاعداء ومطمئنا للاسرائيليين، والجهد الكبير الكامن فيه، يحمل في طياته رسالة معاكسة: إذ تشير المناورة إلى عدم وجود الردع المراد تأكيده، أو لعدم فاعليته أساسا، فامتلاك الجيش الإسرائيلي فعلا لقوة عسكرية كبيرة، لا يعني أنه يملك قوة رادعة، وهذا ما أظهرته حرب تموز عام 2006، والعدوان الأخير على قطاع غزة ونتائجه، ويزيد على ذلك أن القوى التي هي هدف الردع، تتمتع باعتراف إسرائيل نفسها بامكانات كبيرة تواصل تعاظمها يوما بعد يوم. والمعنى النهائي للمناورة أنها اعتراف إسرائيلي بفقدان ردعها حيال أعدائها، ما يفرض عليها محاولة إفهامه أنها قادرة على امتصاص ضرباته.. هذا إن لم يكن فيها إشارة إلى نيات عدائية، واسعة أو ضيقة، كاستعداد لما بعد استحقاقات مقبلة تنتظر إسرائيل أنها ستؤول إلى الفشل وبالتالي إلى الانفجار في المنطقة، وفي مقدمتها الموضوع النووي الإيراني، والحوار المرتقب للأميركيين مع طهران.

"مصر ـ حزب الله" : ٣ سنوات من الحرب


المشاهد السياسي 19 – 25 أبريل 2009

ما بين مصر و"حزب الله"، سجال علنيٌّ وحرب بالوكالة، تدور رحاها منذ ثلاث سنوات). هكذا وصفت مجلة المشاهد السياسي الفصول المتلاحقة في المواجهة المصرية ـ الإيرانية على امتداد المنطقة، محاولة فكَّ بعض طلاسمها، وإضاءة بعض جوانبها الغامضة.
في انتظار أن تنتهي النيابة العامة المصرية من ترتيب أوراق المحاكمة، يميل عدد من المراقبين إلى أن ملف مصر مع "حزب الله" بدأ سياسيًا وانتهى قضائيًا؛ بسبب تداخل مشاكل غزّة مع المعادلة المصرية الأمنيّة، وتشابك عدد من القضايا المطروحة، الأمر الذي يعطّل الرؤية على المديين؛ القريب والمتوسط.
من جهته، اعتبر حنان كريستال، المعلّق السياسي في قناة التلفزيون الأولى والإذاعة الإسرائيلية، أن السجال بين "حزب الله" ومصر "فرصة ذهبية" لحكومة نتنياهو؛ لأنه يصرف الأنظار عن الطابع المتطرّف لهذه الحكومة، ومواقفها من القضية الفلسطينية التي لا تلقى قبولاً دولياً. ومما قاله: منذ أن تشكّلت الحكومة تصدّرت جدولَ الاهتمام العالمي تصريحاتُ وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان المثيرة للسخرية، أما الآن وفي ظل الأزمة، فإن في وسع نتنياهو أن يكسب شرعيةً لحكومته، بعد أن ينجح في خياطة فمِّ ليبرمان، كي تبقى الأضواء مسلّطة على مصر و"حزب الله".