برنامج موضوع الغلاف، يذاع على شاشة قناة المجد الفضائية
مدونةٌ حَوَتْ دُررًا بعين الحُسنِ ملحوظة ... لذلك قلتُ تنبيهًا حقوق النشر محفوظة

Tuesday, September 29, 2009

قناة البحرين.. قناة المهالك


البيادر السياسي، 25 سبتمبر 2009

مشروع قناة البحرين هو مشروع قديم – جديد، ظهر ومازال يظهر بأشكال مختلفة ومقترحات متفاوتة. مجلة البيادر السياسي رصدت توجهات إسرائيلية وأردنية لتسريع مراحل المشروع، وهنالك اجتماعات دائمة ومتواصلة ضمن ما يسمى المنتدى الاقتصادي، ولكن رغم بساطة المشروع للوهلة الأولى إلا أن هنالك الكثير من الغموض والضبابية التي لا تشير إلى الدوافع الحقيقية لكل جانب من دخول هذا المشروع
مجلة البيادر السياسي أعدت تقريرًا مطولا حول هذه القضية الشائكة

بعض العلماء والخبراء والمهندسين والسياسيين متحمسون جدًا للمشروع بإعتقادهم أنه فعلاً سيؤدي إلى تغييرات حثيثة لتطوير اقتصاديات الدول المشاركة، ولتنمية السلام على أسس أفضل، والبعض الآخر يعتقد بأن المشروع ما هو إلا مغامرة غير محمودة العواقب، وآخرون يعتقدون بأن وراء الأكمة ما وراءها، وهنالك أهداف خفية دفينة لبعض الجهات. وما يوحي بأن هنالك بعض الغموض والنوايا غير المفهومة أن شمعون بيرس – رئيس دولة اسرائيل - هو أكثر المتحمسين لتطبيق المشروع، وهو يعمل بكل كد لإقناع الرؤساء الآخرين بأن المشروع سوف يحقق الرخاء للكثيرين، وسيمنع الصراع القادم على المصادر المائية التي تجف بخطى متسارعة بينما عدد سكان المنطقة في تزايد مستمر، وإسرائيل ما زالت تسعى لجلب المزيد من المستوطنين لقضم الأرض العربية، بالمقابل ترفض التعاون لحل مشكلة اللاجئين التي تتفاقم سنة بعد أخرى.
وبموجب هذا المشروع ستحصل إسرائيل مجانًا على مياه لتبريد مفاعلاتها النووية الجديدة التي تنوي إقامتها في النقب، وبناء على مصادر خارجية هنالك توجهات جادة في إسرائيل لبناء مفاعلات نووية جديدة بعضها مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء، وهنالك مصادر خارجية تشير أن المفروض قيام إسرائيل بإقامة مفاعل جديد في المنطقة الجنوبية بعد أن أصبح مفاعل ديمونة قديماً وأنهى عمره الافتراضي.
أما ما تزعمه إسرائيل من أن إنقاذ البحر الميت ليكون مصدرا للسياحة، فإن الخبراء ينفون ذلك لأنه في حالة نقل مياه البحر الأحمر الأكثر ملوحة إليه سيتحول لون مياه البحر الميت إلى اللون الأبيض بسبب ظهور طبقة من الجص الناتج عن فوارق الملوحة بين مياه البحر الأحمر ومياه البحر الميت، وتبلور كتل بلورية من الجص الذي قد يتبقى على السطح لفترة ما ثم يهبط إلى القاع ولاحقا يتحول لون الماء إلى اللون الأحمر نتيجة تفاعل بكتيريا الحديد، ثم أن هبوط نسبة الأملاح في الماء بسبب اختلاط المياه سوف يؤدي إلى نشوء بيئة مناسبة لحياة أنواع من البكتيريا والطحالب، وحدوث مثل هذا الأمر لا يشجع تطوير السياحة في المنطقة، وبشكل خاص لأن منطقة البحر الميت بيئة شديدة القسوة، مرتفعة الحرارة معظم شهور السنة، ولا توجد أحياء مائية تُذكَر في البحر الميت.

وخلُصَت مجلة البيادر السياسي إلى أن الإصرار الإسرائيلي على تنفيذ مشروع شق القناة من البحر الأحمر إلى البحر الميت رغم الصعوبات السابق ذكرها مقارنة بشق القناة من البحر المتوسط إلى الميت، يؤكد أن هنالك أهدافاً أخرى لمثل هذا المشروع، بل إن هذا المشروع بشكله الحالي قد يرتبط بمشروعات استراتيجية إسرائيلية أخرى. أضف إلى ذلك المنافسة الشديدة التي سيشكلها المشروع لقناة السويس ومن ثم للاقتصاد المصري بأكمله، والمخاطر الجمة التي سيتعرض لها البحر الأحمر وبالتالي السياحة في منطقة شمال سيناء، والأخطر من ذلك هو تسليم الإسرائيليين ورقة ضغط خطيرة في مواجهة الأردنيين والفلسطينيين وبالطبع المصريين.

إذا تم تدشين قناة تربط البحر الأحمر بالميت، مع قناة توصل البحر الميت بالبحر المتوسط، فإن ذلك سيشكل منافسة شديدة لقناة السويس التي تعتبر من أسس الاقتصاد المصري ومورِد أساسي للعملة الصعبة بالنسبة للاقتصاد المصري، ولتقنيات. ثم أن اعتماد الأردن والفلسطينيين على مياه ناتجة عن تحلية مياه البحر التي ستبيعها لهم إسرائيل بأسعار غير منخفضة، سيمكن إسرائيل من أن تسيطر على مصدر رئيسي للحياة وهي المياه العذبة الصالحة للشرب والزراعة، والتحكم في هذا المصدر الحيوي، سوف يصبح أداة ضغط سياسية ذات وزن ضخم وعامل ضغط على الأردنيين والفلسطينيين. بينما ستكون مسألة قناة السويس والبحر الأحمر والسياحة أوراق ضغط على مصر لتوافق على إعادة النظر في طلب إسرائيلي قديم بمد أنبوب ضخم من نهر النيل للنقب لنقل المياه العذبة لإسرائيل بأسعار رخيصة جدًا كما حدث بشأن صفقات الغاز.أما بالنسبة للأخطار التي سيتعرض لها البحر الأحمر فالواضح أن تدفق 2 مليار متر مكعب سنويا من مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت كما تشير المصادر الإسرائيلية معناه إحداث تأثيرات بالغة الخطورة على الثروات المائية والبحرية في البحر الأحمر في المنطقة المصرية، وبالتالي ضرب السياحة في سيناء ضربة قاصمة، ومناطق الشعب المرجانية سوف تتأثر وتتضرر بشكل غير قابل للتصحيح ، والأسماك الملونة والنادرة التي تزدهر وتزخر بها جنوب سيناء على الصعيد السياحي سوف تصبح خلال فترة قصيرة مدمرة، والخصائص البيئية للبحر الأحمر وتياراته المائية سوف تتضرر بشكل شديد، والبيئة السمكية ستتاثر كثيرا وستعاني لسنوات وقد لا تتعافى أبدا، ومعروف أن أي تغيير في خصائص مياه البحار والأنهار يحدث تغييرا في حياة الأحياء المائية الموجودة به، مما سيؤدي إلى تدمير الشواطىء والأحياء المائية والشعب المرجانية التي تعتاش في بيئتها منذ آلاف السنين.
وثمة مشكلة خطيرة هي التشققات في القشرة الأرضية في منطقة البحر الأحمر حيث ان القشرة هناك غير متماسكة بشكل عام ودقيقة نسبياً، الأمر الذي عرضها في فترات ماضية لعدد من الزلازل والهزات الأرضية الخطيرة. وبناء على ذلك فعملية نقل 2 مليار متر مكعب من مياه البحر الأحمر سنويا إلى البحر عبر القناة من العقبة، وهبوط المياه من ارتفاع يزيد على 200 متر سيزيد من اهتزازات وإضطرابات القشرة الأرضية ويزيد من حالات تشققها وإمكانية حدوث مزيد من الزلازل والهزات التي قد تؤثر على البيئة بشكل عام وتتأثر بها المنطقة برمتها.

استنفار عراقي على أبواب الخريف


الأسبوعية، 20 سبتمبر 2009

الإصابات المسجلة في العراق 172 إصابة حتى الآن، وحالة وفاة واحدة في النجف، ووزارة الصحة تبدو مطمئنة إلى قدرتها على احتواء الوباء. لكن اقتراب موعد العام الدراسي، وخشية الأهالي من اختلاط أبنائهم بمصابين محتملين، وتحذيرات منظمة الصحة العالمية المتكررة من موجة جديدة واسعة الانتشار، كلها عوامل مقلقة في هذه المرحلة. كيف «يتعايش» العراق مع أنفلونزا الخنازير، وكيف يستعد لمواجهة هجمة الوباء المحتملة؟ هذا ما تعرضه مجلة الأسبوعية في موضوع غلافها الأخير.

آخر بيان لوزارة الصحة حول حالات الإصابة بفيروس (H1N1) المسبب لمرض أنفلونزا الخنازير في العراق أحصى 172 حالة منذ انتشار المرض حتى لحظة إعداد هذا التقرير. وتقارير الصحة العراقية توضح أيضا أن الحصيلة الأخيرة هي إصابة 30 شخصا، بينهم 24 عراقيا وست إصابات لوافدين أجانب إلى العراق، مع حالة وفاة واحدة في محافظة النجف حتى الآن، فضلا عما هو مثبت لعدد الإصابات في صفوف القوات المتعددة الجنسيات والبالغة 142 حالة.
ورغم حالة الاستنفار الشديدة التي تجتاح العالم، وتصاعد عدد المصابين بين العراقيين، إلا أن وزارة الصحة تبدو مطمئنة إلى الإجراءات التي اتخذتها. ويقول مدير عام دائرة الصحة العامة رئيس اللجنة الفنية للإنفلونزا الوبائية الدكتور إحسان جعفر في حديث إلى «الأسبوعية»: إن مرض أنفلونزا الخنازير لم يزل تحت السيطرة حتى الآن في العراق، وعدد الإصابات في مساره الطبيعي العالمي وسجلنا حالة وفاة واحدة بسبب المرض في محافظة النجف. ويلفت جعفر إلى أن موسمي الخريف والشتاء يعدان من الفصول الخطرة التي تساعد على انتشار فيروس « أتش1 أن1» المسبب لمرض انفلونزا الخنازير بشكل كبير» مشيرا إلى أن المضادات المتوفرة حاليا تكفي لعلاج 240 ألف حالة فقط، إلا أن وزارة الصحة تعاقدت مع شركات عالمية لشراء علاجات قبل موسم الشتاء تكفي لعلاج أكثر من سبعة ملايين إصابة.
ويشدد جعفر على أن حالة الخوف التي يعيشها العراق من المرض هي جزء من حالة توجس وخوف عالمية بسبب قدوم فصل الشتاء وعدم وجود لقاحات للمرض حتى اليوم ، لافتا إلى أن وزارة الصحة العراقية على اتصال دائم بمنظمة الصحة العالمية لمتابعة المرض وآخر وسائل الوقاية والعلاج.
ويزداد توجس العائلات العراقية من انتشار مرض «انفلونزا الخنازير» سيما مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي؛ إذ يطالب بعض العائلات بتأجيله حتى انحسار المرض على غرار إجراءات اعتمدت في دول مجاورة، فيما تؤكد وزارة التربية أنها تعمل مع وزارة الصحة لاتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية في كل المدارس العراقية.
وزارة التربية من جهتها تقلل من خطورة انتشار المرض، ويقول الناطق باسم الوزارة وليد حسين في حديث إلى «الأسبوعية»: إن مرض انفلونزا الخنازير لا يشكل قلقاً في الوزارة لأن الإصابات به محدودة جداً في العراق، وغالبيتها في صفوف القوات الأميركية. موضحًا أن وزارته تنسق مع وزارة الصحة من أجل اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة من المرض مع بداية العام الدراسي.

ورغم هذه التطمينات أشارت المجلة إلى سلسلة من الإجراءات اتخذها مجلس الوزراء للحد من الإصابة بالمرض بينها تأجيل مناسك العمرة وتقليص عدد الحجاج العراقيين الذين ينوون أداء المناسك للموسم الحالي، وعدم السماح لفئات كبار السن ممن تتجاوز أعمارهم 65 عاما والأطفال والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة، فضلا عن المصابين بالسمنة المفرطة من المشاركة في موسم الحج المقبل.

يبقى أن النجف وكربلاء من أكثر المدن العراقية المرشحة للتعرض لأنفلونزا الخنازير بالنظر إلى إمكانية انتشار المرض بسرعة، فالمدينتان تستقبلان يوميا العديد من الزوار من داخل العراق وخارجه، وبشكل يصعب معه إخضاع الجميع لفحوص طبية، مع ملاحظة أنه لا إمكانات تقنية لإجراء الفحوصات المخبرية، في المدينتين اللتين تحتضنان ملايين الزوار في المناسبات الدينية من مختلف أنحاء دول العالم سيما المجاورة.
ورغم الإجراءات التي اتخذت إلا أن لجنة الصحة البرلمانية لا تبدو راضية حتى الآن. عضو لجنة الصحة في البرلمان لقاء آل ياسين تحمّل وزارة الصحة والحكومة مسؤولية تفشي الوباء وتقول: إن الجهات المعنية في وزارة الصحة والحكومة تتحمل الجانب الأكبر لتفشي مرض أنفلونزا الخنازير في بعض المدن، نتيجة تقصيرها في وضع معالجات وقائية واحترازية للحيلولة دون انتشار الوباء، إضافة إلى التعتيم الإعلامي بشأن الإصابات والمناطق التي حدثت فيها بحجة عدم نشر الهلع بين المواطنين. ونحن نطالب الحكومة ومنظمات المجتمع المدني بنشر الوعي الصحي بين المواطنين من خلال عقد الندوات والمحاضرات لتوضيح معالم المرض وأخطاره.
آل ياسين تعزو أسباب انتشار أنفلونزا الخنازير إلى وجود القوات المتعددة الجنسية وقضاء أفرادها أجازاتهم الدورية في الولايات المتحدة ونقلهم المرض أثناء عودتهم إلى البلاد، إلى جانب فتح المنافذ الحدودية أمام الزائرين من شتى الدول وسفر العراقيين إلى العديد من البلدان، وتدعو الجهات المختصة إلى تشديد إجراءات فحص الزائرين والحصول على شهادة السلامة الصحية من بلدانهم قبل دخولهم الأراضي العراقية.

لا للتطبيع المجاني - لا لتدويل خلافات العرب


أبيض وأسود، 13 – 26 سبتمبر 2009

خلافاً لأجواء التشاؤم التي سادت قبل انعقاد الدورة العادية (132) لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، رصدت مجلة أبيض وأسود بعض القرارات المهمة التي خرج بها الوزراء بالرغم من بعض التصريحات العربية المتجاوبة مع الضغوط الأمريكية بشأن شروط إحياء العملية التفاوضية، ومحاولات إقحام العلاقات العربية ـ العربية في الخلافات المفتعلة التي فجرتها حكومة المالكي خدمة لأجندة أجنبية.

خرج الوزراء من أعمال دورتهم بقرارات مهمة، تمسكوا فيها بالحدود الدنيا من الإجماع العربي، حيث أكدوا في بيانهم الختامي على وحدة وترابط عملية السلام الشامل وعدم قابليتها للتجزئة، ورفض دعوات الإدارة الأمريكية للتطبيع المجاني مع (إسرائيل)، والمحاولات الإسرائيلية الرامية لتفتيت وحدة الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية، وكل الإجراءات الأحادية الجانب التي تتخذها (إسرائيل)، وعلى رأسها ممارسات الاستيطان ومحاولات تهويد القدس. ولوَّحوا بسحب (مبادرة السلام العربية) من التداول، إذا ما استمر التجاهل الإسرائيلي والأمريكي لها. وتصدى الوزراء العرب في جلسات العمل لمحاولات حكومة المالكي تدويل الخلافات التي افتعلتها مع سوريا، وشددوا على ضرورة حل الخلاف في الإطار العربي. ووجهوا نقداً صريحاً ولاذعاً لسياساتها، بإجماعهم في البيان الختامي على (أن تحقيق استقرار العراق، وتجاوز الأزمة الراهنة، يتطلب حلاً أمنياً وسياسياً متوازياً، يعالج أسباب الأزمة، ويقتلع جذور الفتنة الطائفية والإرهاب، وتحقيق العملية السياسية بما يضمن مشاركة كاملة لمكونات الشعب العراقي المختلفة). ولم تغب باقي القضايا العربية الملحة والعاجلة عن جدول أعمال الدورة، فقد تضمن الجدول (28) بنداً، تناولت مختلف قضايا العمل العربي المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، من بينها التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، وتفعيل العمل العربي المشترك، والوضع في الجولان العربي السوري المحتل، والتضامن مع لبنان، وحوار المصالحة الفلسطينية، والتطورات في اليمن، ودعم السلام والتنمية في السودان، والأوضاع الإنسانية في دارفور والصومال وجزر القمر، والوضع المتوتر على الحدود بين جيبوتي وأريتريا، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وتهديد الترسانة النووية الإسرائيلية للأمن القومي العربي، والعقوبات الأمريكية أحادية الجانب المفروضة على سوريا والسودان.

ربما تكون هذه القرارات في مجملها خطوة على الطريق الصحيح، لكن العقبة الكبرى تكمن في تحويلها من عالم التنظير إلى عالم الواقع، وهو الأمر الذي اعتبرته المجلة ينطوي على صعوبة كبيرة، ستضع هذه القرارات محل اختبار، ما يستلزم – بحسب المجلة- تدقيقًا في أي سياسات خاصة قبل الشروع فيها.

في الملف العراقي سبق انعقاد الدورة تطور داخلي عراقي مهم، بطلب الرئاسة العراقية من حكومة المالكي حل القضايا الخلافية مع سوريا بالوسائل الدبلوماسية، وعدم قانونية الدعوة لتدويل الخلاف مع سوريا. وكشف هذا الطلب عن أن الاتهامات التي وجهتها حكومة المالكي جزافاً إلى سوريا هي موضع خلاف في أعلى المستويات السياسية العراقية، وأن استمرار حكومة المالكي بالتصعيد سيحدث أزمة داخلية عراقية شديدة، حظوظ المالكي في تجاوزها شبه معدومة، فضلاً عن أنه لم يحقق غاياته من وراء إطلاق حملة الاتهامات، فردود الفعل الجماهيرية العراقية صبت في الاتجاه المعاكس، رافضة التهويش المذهبي والطائفي، الذي عاد ليطل برأسه على أبواب الانتخابات التشريعية مطلع العام القادم، ومن جانبها نأت الإدارة الأمريكية بنفسها عن تبني أو دعم حملة المالكي، بل وشككت في صدق الاتهامات.
ويبقى القول: إنه ورغم الإيجابية الكبيرة التي اتسمت بها قرارات الدورة، ستكون القرارات محل اختبار، فما تعودنا عليه سابقاً هو تفلت الدول العربية من القرارات في اليوم التالي لصدورها، وارتداد البعض لممارسة سياساته الخاصة بالتعارض مع قرارات الإجماع، لكن يمكن القول أيضاً: إن خطورة المرحلة ستلزم كل الدول العربية بالتدقيق في أي سياسات خاصة قبل الشروع فيها، وهذا ما نأمل، فالأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة والعراق واليمن والسودان والصومال وجيبوتي لا تحتمل الهزل.

Tuesday, August 18, 2009

الأغذية المعدلة وراثيًا


البيئة والتنمية، يوليو - أغسطس 2009

أثارت الهندسة الوراثية عددًا من المخاوف، منها الهمُّ الأخلاقي من التدخل في خلق الله، والهمُّ البيئي من إفلات كائنات غريبة من المختبرات وغزوها التنوع البيولوجي الطبيعي، والهمُّ الطبي من مخاطرها على صحة البشر.
مجلة البيئة والتنمية قدمت إضاءة عل تاريخ البيوتكنولوجيا ومحدودية الدور العربي في أبحاثها وفي المفاوضات الدولية المتعلقة بتنظيم مداولة الكائنات المعدلة وراثيًا.

التكنولوجيا الأحيائية أو البيوتكنولوجيا هي "علم الكيمياء البيولوجية وتطبيقاته الرامية إلى توفير منتجات وخدمات لرفاه الإنسان. وتشمل هذه الكيانات النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة ومكوناتها دون الخلوية. وقد استخدم الإنسان تكنولوجيات أحيائية منذ القدم لإنتاج الغذاء والألياف والأدوية والعديد من المنتجات "الصناعية" كالخبز والخبز وأنواع شتى من الأطعمة والسلع المختمرة.
لكن حداثة الهندسة الوراثية أثارت عددًا من المخاوف مكمنها أن الكائنات التي لم تنشأ بانسجام مع الطبيعة، وبالتالي لا يمكن التنبؤ كيف يمكن تصرفها في نظام بيئي طبيعي، وقد يشكل تصرفها هذا خطرًا على البشر وغيرهم من الكائنات، وربما كان احتواؤه عبًا أو مستحيلا, ولئن يكن التفاعل بين الكائنات الحية الموجودة طبيعيًا والتي تتبع مبادئ البيولوجيا الطبيعية قد جُرِّب على مدى آلاف السنين، فإن التفاعل مع الكائنات المعدلة وراثيًا، ليس معروف النتائج لا سيما مع انتهاك تلك المبادئ في المختبر.
وبمرور السنين، خفَّ الكلام عن هروب كائنات ممسوخة من المختبرات، وازدادت ثقة الرأي العام؛ مما حفز الاستغلال التجاري لكثير من المنتجات المهندسة وراثيًا على نطاق واسع. إلا أن انطلاقها في البيئة الطبيعية أثار تخوُّفًا جديدًا: يتعلق بتأثير هذا "الغزو" الواسع على التنوع البيولوجي الطبيعي.

وأشارت المجلة إلى خطورة هذه الأطعمة المعدلة وراثيًا على الصحة، مستدلة بدعوة الأكاديمية الأميركية للطب البيئي في يونيو الماضي إلى تعليق إنتاج الأطعمة المعدلة وراثيًا، لأنها "تشكل خطرًا جديًا على الصحة". ونشرت بهذا الخصوص بيانًا جاء فيه: إن "هناك أكثر من مجرد ترابط عرضيّ بين الأطعمة المعدلة وراثيًا وتأثيرات سلبية على الصحة"، وأن دراسات عديدة أجريت على حيوانات أظهرت أن الأطعمة تشكل "خطرًا صحيًا جديًا في مجالات السمية والحساسية ووظيفة جهاز المناعة والصحة التناسلية والأيضية والفيزيولوجية والجينية". ودعت إلى القيام فورًا باختبارات على هذه الأطعمة تتعلق بالسلامة في المدى البعيد، ووضع ملصقات عليها تبين خصائصها. كما دعت الأطباء إلى رصد دورها في إصابات مرضاهم وتوعية الجمهور بضرورة تجنبها.
لكن المجلة في الوقت ذاته لم تُغفِل الإشارات الإيجابية لمستقبل هذا التطور العلمي.

على رغم هذه الملاحظات السلبية يمكننا أن نستنتج أن النقاشات الدولية حول السلامة الأحيائية، بالإضافة إلى المشاريع المدعومة من مرفق البيئة العالمي في عدة بلدان عربية، حفزت عمل الهيئات الحكومية، وهي تشجع على دراسة وبتّ مسألة التنسيق على الصعيد الوطني. وقد سامت الاستقصاءات وورش العمل التي أجريت خلال مشاريع مرفق البيئة العالمي في زيادة التوعية الحكومية والشعبية حول هذه المسائل، حتى إن بعض الدول التي لم تستوفِ شروط المرفق قامت من تلقاء نفسها بأنشطة شبيهة، وكانت فعالة في الوفاء بأهداف مماثلة. وهناك خطط للمزيد. وقد نظمت جامعة الدول العربية عام 2006 ورشة عمل لمراجعة أوضاع اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول قرطاجة للسلامة الأحيائية، وطُرِح اقتراح إقامة "شبكة" للعمل المنسق يستضيفها المركز العربي لدراسة المناطق الجافة والأراضي القاحلة، لكنهالم تُفَعَّل حتى الآن. أما مواقف الدول العربية من الكائنات المعدلة وراثيًا، فيتلخص في أن أيًّا منها لا تنتج حاليًا منتجات التكنولوجيا الأحيائية، باستثناء بض مواد العناية الصحية القليلة. ولدى بعضها برامج بحثية جارية لتطوير مثل تلك المنتجات. لكن على عكس دول أخرى مثل البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا ، ليس هناك دلائل على أن هذا الإنتاج يمكن أن يبدأ في القريب العاجل، أي بعد 5 أو 10 سوات. لذلك من المتوقع أن تصبح الدول العربية مستوردًا لا مصدرًا لمنتجات التكنولوجيا الأحيائية، في جميع الحقول باستثناء الرعاية الصحية.

نهاية عصر المؤسسات الإعلامية


أبيض وأسود، 8- 15 أغسطس 2009

ما هو دور الإعلام؟ هل انتهى عصر المؤسسات الإعلامية الكبرى؟ وما هو البديل الذي سيتمكن من كسب السيطرة الإعلامية؟ وهل هذه التغييرات الثورية لصالح المجتمعات أم عليها؟
أسئلة طرحتها أسبوعية (أبيض وأسود) السورية، سنحاول استعراض إجاباتها في السطور التالية من خلال موضوع غلافها الأخير والذي حمل عنوان (نهاية عصر المؤسسات الإعلامية).

لقد لعب الإعلام أدوارا مختلفة باختلاف درجة تطور المجتمعات ونمو نضجها الثقافي والسياسي والمؤسساتي، وبشكل عام يلعب الإعلام دور التواصل الفكري بين شرائح اجتماعية مختلفة، كالمثقف والموظف والسياسي والعسكري والطالب ورجل الأعمال والمواطن العادي، وغيرهم من القوى الفاعلة في المجتمع، وبينما تختص بعض الوسائل الإعلامية بالتوجه لشرائح محددة، فإن المنظومة الإعلامية (إن صحت التسمية) تغطي جميع شرائح المجتمع، وبالتالي يتم تأمين التواصل وتبادل الأخبار والتحليلات والحوارات، مما يؤدي لضمان عدم وجود شروخ فكرية واسعة في المجتمع (من جهة)، أو معالجة مبكرة لهذه الشروخ، ولتأمين تطوير وتحفيز للأفكار المتعلقة بالقضايا الهامة، بطريقة تضمن مساهمة مجتمعية واسعة في النهضة المجتمعية.
وتصاب المنظومة الإعلامية بالفشل حينما لا تتمكن من لعب الدور المبين سابقا، وبالتالي تحاول إحدى الجهات إقصاء الأفكار الواردة من الجهات الأخرى، أو تعتقد إحدى الجهات بأن أفكارها قد وصلت لقمة النضج، وبالتالي لا ترى ضرورة لهذه العملية التفاعلية مع باقي الجهات، وهكذا، فإن كانت تلك الجهة تمتلك الحوامل الإعلامية المناسبة، فستحاول ضخ أرائها التي تعتقد بكمالها لباقي الجهات، أما إن لم يكن لدى هذه الجهة حامل إعلامي مناسب، فستنغلق على نفسها، وتطور (نظريتها) ضمن مجموعة ضيقة من الأفراد، وفي كلتا الحالتين نكون أمام نموذج مشوه لمنظومة إعلامية تعاني من شرخ عميق، ويؤدي لشروخ فكرية واسعة في المجتمع، وعلى الغالب لا تتمكن المنظومة الإعلامية الفاشلة من إبراز هذه الشروخ في الوقت المناسب، وبذلك لا تتمكن المجتمعات وقواها الفكرية من معالجة هذه الشروخ قبل أن تصبح غير قابلة للمعالجة.
إن هذا الحجم من التغييرات يفترض تطوير سياسات إعلامية وطنية تتناسب مع التحديات الجديدة، وبينما تعمل بعض الجهات على المعالجة التقنية قصيرة المدى لهذا الموضوع، فإن رسم سياسة إعلامية فعالة ينطلق من الفهم الواضح لدور الإعلام، فالمعالجة التقنية لا تنتج إلا إعلاماً مشوها مليئا بالتجمعات الفكرية المتباعدة، والمعزولة عن بعضها البعض، وبالتالي لا تحتاج هذه التجمعات إلا إلى الشرارة التي تشعل خلافات فكرية حادة قد تتطور لما هو أبعد من ذلك، بينما تمتاز التجمعات الفكرية التي تحفز النقاش وتبادل الأفكار بمناعتها ضد الشرارة التي قد تفجر الخلافات، ومن هنا نعتقد بأنه لابد من قراءة واعية لآليات التفاعل الإعلامي في عصر الشبكات الاجتماعية، وصياغة آليات لتطوير منظومات إعلامية عالية الكفاءة.

الوعي.. إداركنا لأنفسنا والواقع المحيط بنا


آفاق العلم، يوليو - أغسطس 2009

إنه شيء يحدد فهمنا للواقع ويخبرنا بأننا موجودون... نحن نعرف أننا نملكه؛ إلا أن علماء الجهاز العصبي والفلاسفة وخبراء الكمبيوتر لا يزالون مستمرين في مجهوداتهم الهادفة إلى تحديد ماهيته وفك شيفرة الدماغ الخاصة بكيفية عمله
إنه (الوعي) الذي أوقفت مجلة آفاق العلم موضوع غلافها الأخير للحديث عنه

تحديد المعنى الفعلي والدقيق للوعي كان صعباً على مر التاريخ ... في القرن الخامس الميلادي، حدد أوغسطين إدراك الذات كأحد العوامل الرئيسية للوعي؛ وذلك بقوله "أنا أفهم أنني أفهم" وقد استغرق الأمر اثني عشر قرنا، قبل أن يقدم الفيلسوف الإنجليزي جون لوك تعريفاًً جديداً للوعي؛ على أنه "إدراك الإنسان لما يدور في عقله
أنواع الوعي كثيرة؛ فهناك – إضافة للأنواع المذكورة أعلاه –الوعي الأخلاقي؛ أي نظام المثل والقيم الذي يمكننا من تمييز الأعمال الحسنة من السيئة... وهذا النظام يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن دين إلى آخر. وبقدوم فيلهلم فوندت في ستينيات القرن التاسع عشر، عرفنا أن الوعي هو المحصلة النهائية لنشاطات الدماغ؛ ما يعني أنه من الممكن دراسته... ولهذا يؤكد سيرل أن الوعي عبارة عن ظاهرة بيولوجية طبيعية، كعملية الهضم... وهي ظاهرة سنتمكن من فهمها بصورة كلية عندما نفهم الكيفية التي يعمل وفقها الدماغ
اليوم، وبفضل دراسة نشاطات الدماغ، فقد توصلنا إلى معرفة بعض وظائف هذه الخاصية التي لا يزال الجزء الأكبر منها غامضاً. ومع أن الإجابات حول الوعي البشري لم تكتمل بعد؛ إلا أن هناك قدراً كبيراً من التفاؤل فيما يتعلق بفهم الآلية التي يعمل وفقها دماغ مكون من أنسجة رخوة يبلغ وزنه نحو1400 غرام قادر على إعطائنا إمكانية التعرف على ذاتنا كأفراد منفصلين ، ثم إدراك مدى اتصالنا ببعضنا البعض ومعرفة مكاننا على هذا الكوكب وفي هذا الكون

تهويد القدس


أبيض وأسود، 2 – 9 أغسطس 2009

كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن الخطوط العامة للملحق الأمني المتمم لوثيقة جنيف - البحر الميت، التي تم إشهارها والتوقيع عليها في (1/12/2003)، وملخصه (شرعنة الاستيطان وتهويد القدس).
وبدورها سلطت مجلة أبيض وأسود الضوء على أبرز ما ورد في هذا الملحق الأمني، الذي قاد الطاقم الفلسطيني المفاوض عليه الوزير والرئيس السابق لطاقم المفاوضات الفلسطيني في ملف الحدود سميح العبد، بمتابعة حثيثة من أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، بناء على تكليف من رئيس السلطة محمود عباس.

ينطوي مضمون الملحق الأمني على أربعة اقتراحات رئيسية (تُشَرعِن) الاستيطان وتُهَوِّد معظم القدس الشرقية المحتلة في العام (1967) وتجهض السيادة الفلسطينية: الاقتراح الأول: ضمان حرية الحركة لأجهزة الأمن الإسرائيلية والمستوطنين بين الكتل الاستيطانية حول القدس، وبين هذه الكتل الاستيطانية والمستوطنات في غور الأردن.
الاقتراح الثاني: في التسوية النهائية ستكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية تحت السيطرة الإسرائيلية التامة.
الاقتراح الثالث: استقدام قوة دولية متعددة الجنسيات ومسلحة، للمرابطة في الضفة الفلسطينية وعلى طول حدود الضفة مع الأردن. وتتكون القوة من أربع كتائب، يبلغ تعدادها (3000) مقاتل، ومهمتها ردع أي مقاومة فلسطينية للاحتلال الإسرائيلي. الاقتراح الرابع: الجداول الزمنية المعدة لتطبيق الاتفاق على إقامة دولة فلسطينية تمتد لـ(30) شهرًا بعد التوقيع على الاتفاق. وهي بمثابة تنفيذ مكثف للمرحلتين الأولى والثانية من (خطة خارطة الطريق الدولية). الأشهر الثلاثة السابقة للتوقيع على الاتفاق تعمل خلالها خمس لجان مشتركة (فلسطينية ـ إسرائيلية ـ دولية) على وضع آليات لتطبيق ما يتم الاتفاق عليه، وخلال الفترة ذاتها تنشط أجهزة أمن رئاسة السلطة بمطاردة الأجنحة العسكرية للقوى والفصائل الفلسطينية وتفكيكها، بدعم لوجستي إسرائيلي ودولي. وبعد ستة أشهر من التوقيع يتم إنشاء مقر قيادة للقوة الدولية.

وتُكمِل المجلة في توضيح الكارثة التي تضمنها هذا الملحق الأمني، فتقول: وخلال تسعة أشهر من التوقيع على الاتفاق يتم الانتهاء من رسم الحدود على شكل أولي، ونشر طلائع القوة متعددة الجنسيات، واستكمال الاتفاق حول محطات الإنذار، والمرحلة الأولى من الانسحاب الإسرائيلي من بعض مناطق الضفة، وتشكيل غرفة متابعة مشتركة (إسرائيلية ـ فلسطينية ـ دولية)، واستكمال اتفاق الطرق المخصصة لتنقل أجهزة الأمن الإسرائيلية والمستوطنين، واتفاق الدخول والخروج من القدس القديمة. وحتى (20) شهرًا من الاتفاق يتم الانتهاء من تنفيذ المرحلة الثانية من الانسحاب الإسرائيلي نحو جدران الضم والفصل العنصرية، ويتم نشر باقي القوة الدولية. وبعد ثلاثين شهرًا يصل الجانبان إلى رسم الحدود الدائمة للدولة الفلسطينية كما حددت في جنيف (2003)، على أن يسبق ذلك تطبيق مبدأ تبادل الأراضي، وإنجاز الممر الواصل بين قطاع غزة والضفة، وتحديد نقاط الحدود والمعابر بين (إسرائيل) والدولة الفلسطينية.

لإدراك المخاطر التي حملها الملحق الأمني لا بد من العودة إلى النص الكامل لوثيقة جنيف ـ البحر الميت، فالوثيقة أسقطت حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وأجازت ضم الكتل الاستيطانية الكبرى تحت ما يسمى تبادل الأراضي، وأكدت على أن الكيان الفلسطيني الموعود سيكون منزوع السلاح، واستبدلت عنوان سيادة الدولة الفلسطينية الموعودة بعنوان الأمن ضمن المنظور الإسرائيلي، وهذا بحد ذاته مؤشر يدلل على الغاية من مثل هكذا وثيقة. وتحدثت الوثيقة عن القدس كـ(عاصمة للدولتين)، وهذا يحمل في طياته إقرارًا بالسيطرة الدائمة للاحتلال الإسرائيلي على الأحياء التي تم تهوديها في المدينة، وكذلك على الكتل الاستيطانية التي تخنق المدينة من كل الجهات، ضمن المخطط الصهيوني لتهويدها نهائيًا. ولا يتم الحديث في الملحق الأمني عن القدس كجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام (1967)، حيث يفرد لها الملحق حلًا خاصًا يفرط بمعظم أراضيها وأحيائها، ويعطي الغلبة للمستوطنين الصهاينة في السيطرة على منطقة جوار المسجد الأقصى، التي اصطلح على تسميتها في أدبيات أوسلو بـ(الحوض المقدس). ويتنازل الفريق الفلسطيني في الملحق الأمني عن كل مقومات السيادة الفلسطينية، ويضع أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة تحت انتداب قوات متعددة الجنسيات، مهمتها حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومن بين هذه القوات قوات عربية وإسلامية. ويحشر الحل السياسي في زاوية المطالب والإدعاءات الأمنية الإسرائيلية وأهدافها الاستيطانية التوسعية. وبهذا يستكمل الفريق الأوسلوي درب التنازلات التي بدأها في مؤتمر مدريد (1991)، وانحدر فيها للتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني في اتفاقيات أوسلو وما تناسل عنها من اتفاقيات، فالملحق الأمني لوثيقة جنيف ـ البحر الميت يمهد لمنزلق جديد وشديد الخطورة على مضمون التسوية السياسية.

بغداد ـ أربيل: هل تنفجر الحرب؟


المشاهد السياسي، 2-8 أغسطس 2009

خمسة عناوين كبيرة رأت مجلة المشاهد السياسي أنها تندرج تحت رحلة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى واشنطن: القرار الأميركي (المنفرد) ببدء الحوار مع المقاومة العراقية، الخلافات المتصاعدة بين بغداد وأربيل، الآليّات الممكنة لإخراج العراق من أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الوضع الأمني بعد استكمال الانسحابات الأميركية، ودور الجيش العراقي الجديد وما يقتضيه هذا الدور من تسليح وتجهيزات.

هذه العناوين مجتمعة تشكّل عبئًا أكثر من ثقيل على كاهل الحكومة العراقية، في مرحلة الإعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وتزايد الضغوط الأمنيّة المواكبة لهذا الإعداد. لكن الخطر الأكبر الذي يتهدّد العراق يبقى، في اقتناع المالكي ومعظم المراقبين، أن الخلاف بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان، وهو متشعّب الجوانب، يمكن أن ينفجر في شكل حرب أهليّة إذا استعصى حلّه في الأشهر المقبلة.
وقبل تفصيل العناوين الكبيرة في الرحلة، نتوقّف عند هذا الخلاف بالذات، في محاولة لاستكشاف أبعاده الحقيقية، وفي رأي مراقبين أميركيين غير حكوميين أنه بلغ في المرحلة الأخيرة، عشيّة الانتخابات الكردية، مستويات خطرة شكّلت أحد الدوافع الرئيسية لاستدعاء المالكي إلى واشنطن، بقصد التشاور معه في ما يتعلّق بملف "المصالحة الوطنية العراقية"، علمًا أن الأميركيين يسجّلون على الأداء الحكومي العراقي أكثر من ملاحظة كبيرة في ما يتّصل به تحديدًا. وقد تزامنت انتخابات الإقليم مع مصادقة برلمان أربيل على مسودة دستور كردي خاص، ومع تدشين مصفاة كرديّة لتكرير النفط، وتصريحات لرئيس وزراء الإقليم نتشيروان بارزاني أكّد فيها أن الحرب باتت وشيكة بين القوّات الكردية (البشمركة) وقوّات الحكومة العراقية في منطقة مخمور المتنازع عليها، داعيًا الأميركيين إلى التدخّل بغية حلّ النزاعات القائمة بشكل سلمي.
هذه المعطيات لا تصبُّ في أي حال في مصلحة المركز (بغداد) الذي أرجأ حتى الآن البتّ بالمشاكل العالقة مع الأكراد، على أمل أن تفضي الانتخابات إلى زعزعة مواقع بارزاني وطالباني والتفويض الشعبي الذي يتمتّعان به، وذلك عبر قيام معارضة كرديّة قويّة لسلطتهما في برلمان أربيل الجديد، يمكن أن تؤدّي إلى انكفاء أو تراجع في مواقفهما المعلنة.

الملف الثاني الكبير الذي حمله المالكي إلى واشنطن، والذي ترى المشاهد السياسي أنه يحتاج هو الآخر إلى تدخّل الإدارة الأميركية، هو الملف العراقي ـ الكويتي الذي يشكّل حتى الآن عقبة أساسية في وجه رفع العقوبات الدولية عن العراق، وتحريره من أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي أخضع لها بعد اجتياح الكويت. ومعروف أن الجوانب الجغرافية والمالية متشعّبة في هذا الملف، وأن الكويت تصرّ إصرارًا كاملًا على التعويضات، واستعادة المسروقات ورفات الأسرى، وترسيم الحدود بشكل نهائي قبل أن توافق على تطبيع علاقاتها، وبالتالي تطبيع العلاقات الدولية مع العراق.

يرى الخبراء السياسيين والقانونيين، أن فتح الملف العراقي ـ الكويتي على خلفية الآثار المترتّبة على اجتياح الكويت في الثاني من أغسطس ١٩٩٠، يُدخِل العراق في حقل واسع من الألغام، بعدما استصدرت الولايات المتحدة حزمة من القرارات استنادًا إلى الفصل السابع، وهاجمت العراق مع ٣٣ دولة حليفة في ١٥/١١/١٩٩١، وتسبّب الحصار في وقت لاحق بكل الويلات التي عرفها العراقيون. ومجرّد البحث عن دفع التعويضات التي تقدّر بعشرات مليارات الدولارات، وإعادة ترسيم الحدود، يُقحِم الحكومة العراقية في متاهة لا نهاية لها. من هنا يُعَوِّل نوري المالكي على واشنطن في إقناع الكويت بالتنازل عن كل أو بعض الشروط التي وضعتها لإخراج العراق من الفصل السابع، في الوقت الذي تُصرُّ فيه الإدارة الأميركية على تسريع المصالحة مع البعثيين، وتذهب إلى حد فتح خطوط حوار مباشرة مع الجناح السياسي في المقاومة العراقية، وكأنها تمهّد لصيغة حكم جديدة في العراق يعيد البعث إلى مواقع القرار، عبر التفاهم مع حكّام العراق الجدد، ويعيد تركيب السلطة والأجهزة الأمنيّة بدءًا بالجيش.
ويبقى أبرز ما يهدّد الوضع الأمني والعملية السياسية ككل، خصوصًا في المناطق السنّيّة، هو التوتّر المتزايد بين الحكومة العراقية والصحوات، أضِف إلى ذلك المسائل الخلافية الناتجة عن التعديلات الدستورية العالقة، والتي تتناول أكثر من ٥٥ فقرة في الدستور الحالي، والخلافات المستمرّة حول مشروع قانون النفط والغاز الذي يوزّع الثروة على مختلف المناطق، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لم تجد حلًا ولا حتى بداية حلّ منذ ست سنوات.
ويبقى السؤال: هل تنفجر كل هذه المشاكل العالقة في وجه المالكي دفعة واحدة، قبل أن يهتدي إلى شراكة استراتيجية واضحة مع الحكومة الأميركية، و إلى آليّات دستورية واضحة لتحويل النظام الحالي إلى نظام رئاسي، وتسويات واضحة مع البعث كما مع الأكراد، وصيغ تعاون ملائمة مع دول الجوار بدءًا بتركيا وسورية وإيران، أم أنه يستطيع إدارة الوقت وتدارك الألغام الكبيرة والصغيرة بحدّ كافٍ من المرونة والدهاء في المرحلة المقبلة، على أمل توظيف الحوار في حلحلة كل هذه المشاكل؟

Tuesday, August 4, 2009

حركة فتح تتهاوى


المشاهد السياسي، 26 يوليو – 1 أغسطس


ما الذي يجري داخل "فتح"؟ تساؤل طرحته من لندن مجلة المشاهد السياسي، قائلة إنها: حرب (فتح ـ فتح) تشتعل بمناسبة تعيين موعد انعقاد المؤتمر السادس للحركة في بيت لحم، وكل شيء يدل على أن التراكمات والأحقاد التي حفلت بها السنوات الأخيرة تهدّد مستقبل الحركة الغارقة في همومها السلطويّة، وهي على درجة كبيرة من التداخل والتعقيد. إنه التزاحم على النفوذ بين المحاربين القدامى، والتنافر الشديد بين سلطة الداخل ومناضلي الخارج، والنشطاء الجدد ومعظمهم من خرّيجي السجون الإسرائيلية.

فجأة ألقى فاروق القدومي أمين سرّ حركة "فتح" قنبلته: محمود عباس ومحمد دحلان وأريـيل شارون وشاؤول موفاز هم الذين أعدّوا خطة اغتيال ياسر عرفات بالسم، في حضور وليام بيرنز الموفد الأميركي وعدد من ضباط المخابرات الإسرائيلية! ولأول مرة ظهر بوضوح أن النخبة الفلسطينية السياسية تعيش صراعات باتت خارج دائرة السيطرة، من خارج الإطار الوطني الذي كان يحكمها في العقود الخمسة الأخيرة.
والسؤال الكبير الذي طرح بعد مؤتمر القدومي الصحفي، الذي انعقد في عمان كان: هل فتح ذاهبة إلى الانهيار؟
وللسؤال ما يبرّره في ضوء الصراع الطويل الذي تعيشه "فتح" (ممثّلة بالسلطة)، والصراعات الكامنة والظاهرة بين أجنحة فتح نفسها.
وعلى هامش قنبلة القدومي وبيان خمسة أجنحة عسكرية تابعة لحركة "فتح" في الضفة والقطاع مبايعتها له، وقرار اللجنة التنفيذية للمنظّمة ـ التي يهيمن عليها الرئيس الفلسطيني ـ الذي يدعو إلى انعقاد المجلس المركزي من أجل اتّخاذ قرار في حق القدومي. بات واضحاً أن ما تشهده "فتح" يمثّل مثالاً حيّاً على الضياع الفلسطيني في هذه المرحلة، بعد خمس سنوات على غياب "أبي عمار"، والأسئلة التي تطرحها المرحلة الراهنة كبيرة وخطرة في آن ولعل أبرزها:
ـ هل يمكن أن يتطوّر الصراع إلى انشقاق داخلي وتمرّد على قيادة عباس ـ فياض؟
ـ ماذا ستكون المواقف الفتحاوية في الخارج (الأردن، لبنان، سورية والخليج)، وهل يمكن أن تسكت عن محاولة عباس تحويل الحركة إلى حركة ضِفّاويّة؟
ـ ماذا سيكون تأثير الانشقاق الجديد إذا حدث على مشروع التسوية بشكل عام؟
ـ كيف ستتوزّع مواقف الدول العربية المعنيّة بين القدومي والسلطة؟

قد تكون "فتح" على عتبة انشقاق جديد، يشبه الانشقاق الذي شهدته في العام ١٩٨٣ على يد أبي موسى الذي أنشأ "فتح الانتفاضة"، كما قد تكون على عتبة عملية "تنظيف" تنقذها من التفتّت والتشظّي، بعد الوهن والتراخي اللذين أصاباها على مستوى الشارع الفلسطيني، وبعدها فقدت زعامتها ومكانتها التاريخيتين في هذا الشارع.
ويبقى السؤال الكبير الذي طرحته المجلة في النهاية: هل يقوم من داخل "فتح" الفتحاوية، في هذه اللحظة التاريخية، رجل يعلن "الأمر لي" ويقود المرحلة النضالية الجديدة على حساب قيادات الداخل والخارج معا.
في انتظار أن تتبلور المواقف بصيغتها النهائية، يمكن القول إن خمسة عوامل داخلية سوف تحكم مستقبل الحركة، إلى جانب خمسة عوامل خارجية. أما العوامل الداخلية فهي:
* وجود قيادات فتحاويّة ذات خبرة ومعرفة ترغب في إعادة بناء الحركة. وهي وفيّة لتاريخها ونهجها في مقاومة الاحتلال، ويمكن أن تدفع باتجاه التغيير على المستوى القيادي.
* وجود عناصر وكوادر فتحاويّة متحمّسة لفكرة التجديد والنهوض بالحركة على مستوى المواجهة.
* تراجع رصيد القيادات الفاسدة داخل الحركة في ضوء أحداث غزّة في العام ٢٠٠٧ وما انتهت إليه من انشقاقات.
* تراجع رصيد القيادات الفتحاوية التي وظّفت السلطة في خدمة مصالحها الخاصة، وانعطاف القاعدة المؤيّدة لـ"فتح" في اتجاه محاسبة المنتفعين.
* تعاظم تأثير "حماس" على المستوى الشعبي بعد حرب غزّة الأخيرة.
أما العوامل الخارجية التي يمكن أن تلعب دوراً مباشراً أو غير مباشر في تقرير مستقبل "فتح" فهي الآتية:
* احتمال قيام حركة من صفوف "فتح" الخارج تنقلب على القيادات التاريخية، وتؤسّس لانتفاضة تعيد بناء الحركة وهياكلها التنظيمية والإدارية والسياسية.
* احتمال قيام الجهات العربية والدولية المموّلة بمبادرة ما تشكّل ضغطا كافيا على قيادات الداخل والخارج، من أجل تأمين مصالحة سريعة بين الأجنحة المتصارعة.
* قيام نظام إقليمي جديد يعيد ترتيب موازين القوى لمصلحة الاعتدال الفلسطيني أو لمصلحة المقاومة المسلّحة.
* إعادة بناء الحركة وفاق الرغبات الأميركية والأوروبية وارد أيضا في ضوء الحاجة إلى مفاوض فلسطيني يوقّع التسوية المطلوبة.

يهودية الدولة: معركة قناعات لا معركة حقوق


الرائد، يوليو 2009


بين الإلحاح الإسرائيلي المتصاعد مؤخرًا على انتزاع اعتراف عربي بإسرائيل كـ "دولة يهودية"، والرفض العربي الحاد – وإن بدا أقل صخبًا – لفكرة يهودية إسرائيل، تبقى القضية معركة قناعات لا معركة حقوق.
مجلة الرائد، أطلَّت على هذا المشهد، ولخصت هذه الإضاءات.
البعض يركز على التأثيرات المحتملة لهذا الاعتراف على الحقوق الفلسطينية في الأرض وعودة اللاجئين، وهو في الحقيقة جزء صغير جدًا من الحقيقة، فقضية يهودية إسرائيل تشكل في نظر أطراف عربية وأوروبية كثيرة خطرًا نوعيًا أكبر بكثير من وجود إسرائيل نفسه. وفي الحقيقة فإن هذا الجدل ينطوي على عدة دلالات شديدة الأهمية. فهو:
أولًا : يعني أن العرب تجاوزوا نهائيا قضية الاعتراف بوجود إسرائيل من عدمه .
ثانيًا : أن خيار التسوية والتعايش أصبح شبه نهائي لا تعارضه إلا قوى سياسية ودينية محدودة.
والجدل بشأن يهودية الدولة يعني أن "هوية إسرائيل" ليست شأنًا صهيونيًا محضًا بل هو – بناءًا على الرفض العربي المعلن –موضوع إقليمي أو حتى عالمي. فالطبيعي أن قبول مبدأ مشروعية الدولة تترتب عليه بالضرورة نتائج في مقدمتها حقها في إعمال سيادتها وفي مقدمة نتائج هذه السيادة تقرير هويتها يهودية كانت أو علمانية.
ويشير هذا النقاش أيضًا إلى تحول تاريخي خطير بكل معنى الكلمة هو أن إسرائيل اختارت طريقها لأول مرة منذ بدأ المشروع الصهيوني بين مشروعين تعايشا داخلها لعقود هما:
(1) المشروع الصهيوني العلماني.
(2) المشروع الصهيوني الديني.
وتاريخيًا كان المشروعان متكاملين "عمليًا" متنافرين "أيديولوجيا"، فالصهيونية الدينية وفرت الأساس القادر على جمع الجماهير والجنود الذي شكلوا قاعدة المشروع الصهيوني، والصهيونية العلمانية كانت قادرة على التواصل مع القوى الكبرى الغربية التي وفرت الحماية والدعم للمشروع والدولة، وحتى ظهور أميركا كقوة كبرى منخرطة في الشأن العالمي بعد الحرب العالمية الثانية كانت هذه القوى علمانية.
لكن جفاف مصادر الهجرة اليهودية التقليدية لإسرائيل والتفاوت الكبير بين معدل زيادة اليهود الشرقيين والغربيين أسفر – لأول مرة عن – تحول اليهود ذوي الأصول الغربية "الإشكيناز" إلى أقلية مقابل أغلبية من اليهود الشرقيين "السفارديم". وتضيف المجلة : لأسباب ثقافية وتاريخية كان السفارديم داعمين لتأكيد يهودية إسرائيل مقابل انحياز واضح من أغلبية اليهود الإشيكناز لخيار الدولة العلمانية. وقد فتش الإسرائيليون عن "صمغ" يحقق التماسك بين الروس والألمان والبولنديين والإثيوبيين والهنود والعراقيين والمغاربة والبولنديين واليمنيين و... يعيشون في محيط معادٍ فلم يجدوا – بالمنطق البراجماتي – سوى الدين
ولم يتصور أحد من علمانيي إسرائيل أبدًا أن يتحول الدين من "وسيلة" إلى دعامة وحيدة
ما تثيره التحولات الجديدة في إسرائيل من قضايا تتجاوز آثاره بكثير ملفات التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية، فمن ناحية، يعني قبول العرب بإسرائيل كـ "دولة يهودية" أول تحول من نوعه عن الثورة الفرنسية التي أرست مبدأ الفصل التام بين الدين والحياة العامة وبالتالي سيكون العالم قد شهد للمرة الأولى نشوء دولة على أساس ديني وهو ما يشكل أمرًا مرفوضًا تمام الرفض في أوروبا التي تعتبر قوى رئيسة فيها أنها "حارس لقيم الثورة"، ومن ناحية أخرى سيعنى هذا الاعتراف استحضارًا غير مسبوق للبعد الديني في الصراع على فلسطين بكل ما يعنيه ذلك من تبعات خطيرة (على مستقبل إسرائيل بالطبع
ويضاف إلى ما سبق أن إسرائيل التي أُنشِئت تلبية لأشواق دينية عند اليهود للعودة إلى أرض يقدسونها دينيا سيعطي مشروعية لإنشاء الدول على أساس ديني، وبالتالي سيعطي مشروعية لسعي الحركات الإسلامية لإزالة الأنظمة الحاكمة في بلادها لبناء نظم حكم إسلامي بدلًا منها. وإذا مددنا الخط على استقامته فسنكتشف أن مثل هذا التحول سيكون مقدمة - مجرد مقدمة-لمرحلة تالية من الإحياء الديني ستجعل هدفها إعادة الخلافة الإسلامية كسلطة جامعة لشعوب الأمة، وإذا كان اليهود قد عادوا بعد حوالي أربعة آلاف سنة إلى الأرض التي يقدسونها وتمكنوا من تأسيس "دولة يهودية"، فما الذي يمنع المسلمين من التفكير الجدي في إعادة تأسيس سلطة كانت موجودة قبل أقل من مئة سنة؟

أوباما.. نتنياهو يفصحان عن رؤيتهما للسلام في الشرق الأوسط


الهدف، يوليو 2009


تحت عنوان ("أوباما.. نتنياهو"يفصحان عن رؤيتهما للسلام في الشرق الأوسط).. تسائلت مجلة الهدف، باستهجانٍ: لماذا قامت الدنيا ولم تقعد عند اعتلاء باراك حسين أوباما سدة الحكم في الإدارة الأمريكية؟ أهي سياساته النقدية لسلفه الإرهابي بامتياز والحاضن الأمين للعدوانية الصهيونية وممارساتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية؟ أم إعلانه في البيت الأبيض عن مقاربة للحل في العالمين العربي والإسلامي؟ وهل يَصدُق ذلك في ظل استمرار لعب اللوبي الصهيوني دورًا مركزيًا في تحديد اتجاه السياسات الأمريكية في المنطقة؟
المقاربة الأمريكية والتي تبنت في الجوهر الموقف والرؤية الصهيونية لآفاق حل المشكلة الفلسطينية والتي هلَّلَ لها- وللأسف- العالم أجمع باستثناءات قليلة، كانت شكلية ولم تغير قيد أنملة المواقف الأمريكية التقليدية المتنكرة للحقوق العربية والداعمة بلا نقاش للأطماع والمصالح الصهيونية. فحديث أوباما الذي تُوِّج بحرص أمريكي على عدم إدارة الظهر لتطلعات الشعب الفلسطيني نحو الدولة تضمن موقفًا واضحًا من حق العودة وتجاهلا لحقوق اللاجئين والقدس والحدود وموقفا ملتبسا من الاستيطان الذي يقوض أركان الدولة الفلسطينية ورغبة في أن تكون الدولة الفلسطينية جسرًا لعبور إسرائيلي مجاني للعالمين العربي والإسلامي، فكما يقولون كلام جميل ومنمق وغير عادي بالنسبة للخطاب الأمريكي لكنه مليء بالمخاطر والأهوال (كدسِّ السم في العسل). هذا لاحديث قابله يوم الأحد الموافق 14/6/2009 رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو في خطابه في جامعة "بار إيلان" في تل أبيب في قاعة (السادات ـ بيجين) بمقاربة مقززة من حيث المضمون حيث انطلق من تشويه للتاريخ وتجاوز وتجاهل لحقائقه الدامغة ليصل إلى نتيجة مؤداها أنه يتكرم على الشعب الفلسطيني بإعطائه سجنًا منمقًا من خلال القبول والاستسلام للإرادة الصهيونية وما خلفته من دمار وانتهاكات للحقائق والوقائع على الأرض الفلسطينية. فيريدنا أن نعترف بأن دولته المصطنعة والكيان صاحب الدور والمهمة الاستعمارية، الدولة القومية للشعب اليهودي وأن نوفر لها الأمن من خلال دولة منزوعة السلاح وبضمانات دولية وتغييب حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها ولسان حاله يدعونا إلى نسيان حقوقنا في العودة إكرامًا لصلفه وصفاقته المعهودة دون أن ينسى بأن القدس عاصمة أبدية لكيانه العنصري الإرهابي. وانطلاقًا من هذه المقاربة الأمريكية الصهيونية والتي عبرت من خلالها إدارة أوباما على أن خطاب نتنياهو خطوة إلى الأمام وخطوة في الاتجاه الصحيح.

من محركات البحث إلى محركات المعرفة


لغة العصر، يوليو 2009


ما هو الهدف الأصلي لاستخدام الانترنت؟ وما مصير كنوز المعرفة المخزنة في المليارات من صفحات الويب؟ كيف يمكن الاستفادة منها واستخراج ما في بطونها من لآلئ وجواهر؟ وما هي محركات المعرفة وقدراتها ومستوى النجاح الذي حققته حتى الآن والتغيير المتوقع أن تحدثه عبر الشبكة، والوجه الجديد الذي تعدنا به؟ وهل تتنافس مع محركات البحث الحالية وعلى رأسها جوجل، أم تتكامل معها؟ ماهي محركات المعرفة أصلا، وكيف تعمل وما الجديد الذي تحمله؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وأكثر سبرت مجلة لغة العصر أغوار محركات المعرفة التي توفر المعلومة بدلا من أن تدلك عليها.
الطريقة الحالية للوصول إلى هذه المعارف هي استخدام محركات البحث التي تكتب فيها كلمة فتقودك إلى النصوص الموزعة على الآلاف من الصفحات والمواقع التي تذكر فيها هذه الكلمة، ومن ثم تجعلنا هذه المحركات قادرين على البحث بكفاءة عن مصطلحات وعبارات معينة في هذه النصوص، وتمكننا من الكشف عن هذه الحقائق الموجودة بها، لكن حتى الآن لم تمكننا هذه المحركات من استنباط معلومة جديدة من النصوص القائمة ولهذا ظهرت الحاجة الماسة إلى وجود نوع جديد من المحركات يلبي أشواق المستخدمين والعلماء الذين يبحثون عن معلومات في العلوم والفلك والرياضيات وغيرها من المجالات، ويرغبون في استنباط وعرض معلومات محددة من نصوص متاحة. من هنا بدأ الاتجاه إلى تطوير محركات تكتب فيها سؤالا محددًا فتحصل على معلومات ومعارف محددة عن سؤالك المحدد مباشرة بدلا من الإحالة إلى المواقع تحتوي إلى نصوص أو صور تناسب ما تبحث عنه، ولذلك أُطلِق عليها "محركات المعرفة".
وقد تشكل الاتجاه نحو هذه المحركات بقوة من خلال موقعين تم إطلاقهما مؤخرًا، وهما موقع ترو نوليدج، و موقع وولفرام، وقد صاحبت الأخير ضجة كبيرة حتى أن البعض وصفه بأنه فاتحة عصر جديد على الانترنت، وأيًا ما كان الأمر فنحن أمام تطور يمكن أن يصبح نقطة تحول كبرى في تاريخ الانترنت، وقد يصنع لها وجهًا جديدًا.
غني عن الذكر أن هذا النوع من البحث المتطور ما زال أمامه سنوات طويلة لكي يصل
إلى مرحلة النضج والدقة. وفي عام 2002 حدد مجموعة من الباحثين أبرز العقبات والتحديات التي تواجه الإجابة عن الأسئلة، ومنها: فئات الأسئلة ومعالجتها واستخراج الإجابات وصياغتها، وإجابات الأسئلة الفورية والإجابة عن السؤال بعدة لغات، والاستدلال المتقدم لإجابة الأسئلة، واستنباط المعلومات عن المستخدم من أسئلته.
وتكمل المجلة بالإشارة إلى أن محركات المعرفة –كما سبق القول- تَوُجُّهٌ جديد في عالم الانترنت واستخدامها مختلِف والاستفادة منها تتطلب الإلمام ببعض المهارات المختلفة اختلافا كليًا عن مهارات استخدام محركات البحث العادية؛ ولذلك فإن الفهم الصحيح لكيفية التعامل مع محركات المعرفة يعد خطوة أساسية للاستفادة القصوى منها والحصول على نتائج مرضية.
ثم قدمت المجلة أمثلة سريعة لاستعلامات البحث التي يكن إدخالها في محرك "وولفرام ألفا" كنموذج يوضح كيفية الاستفادة من محركات المعرفة عمومًا باعتبار هذا المحرك هو الأحدث والأكثر شهرة بين محركات المعرفة.
يرى بعض الخبراء أن "وولفرام ألفا" يُعَدّ مناسبًا جدا لطلاب العلوم في الثانوية العامة، وطلاب كليات وأقسام العلوم بالمرحلة الجامعية، وممتازًا بالنسبة لكل المتخصصين والمهتمين بالمجالات العلمية والحسابية والتطبيقية والجغرافية، حيث يتألق "وولفرام" مع أي استفسار في الرياضيات أو الفيزياء أو الإحصاء أو الكيمياء أو الهندسة أو الفلك أو علوم الأرض أو عالم التكنولوجيا أو العلوم الحوسبية وأنظمة الكمبيوتر والويب والوحدات والقياسات وتحويل العملات والنقود والتمويل والأماكن والجغرافيا والصحة والطب والتغذية واللغويات والتاريخ والألعاب الرياضية الموسيقى والألوان.
وهناك نقاط مهمة تتعلق بالمحرك وطريقة تفاعله مع مستخدميه، يجب على من يستخدم "وولفرام ألفا" أن يتعرف عليها ويعيها، ومنها ما يلي: يكوِّن وولفرام إجابات الأسئلة من خلال العمليات الحسابية التي ستمدها من قاعدته المعرفية الداخلية بدلا من البحث في الويب وعرض الروابط والنتائج. إذا لم يتمكن المستخدم من العثور على إجابته في وولفرام ألفا فيمكنه تجربة تكرار السؤال بصيغ مختلفة أو ربما لم يُغَطّ وولفرام ألفا مجال السؤال. ويمكن في هذا الصدد تخفيض عدد كلمات الاستعلام المطلوبة وتجربة كلمات وتعليقات مختلفة، ويفضل استخدام أقل عدد ممكن من الكلمات مع ضرورة الحرص على استخدام كلمات غير غامضة.
يناسب وولفرام ألفا جميع الأعمار بدءًا من الحضانة حتى مستويات التخرج والعمل ويقدم المعلومات التي يحتاجها المستخدم المبتدئ والعالم الخبير، وبيمكن استخدام وولفرام ألفا في الأبحاث الأكاديمية والعلمية وكمصدر علمي موثوق للإحصائيات والأرقام.

Thursday, July 30, 2009

مبادرة "السلام" الإسرائيلية


المشاهد السياسي، 12-18 يوليو 2008


وثيقة إسرائيلية محدودة التداول، يقف وراءها بنيامين نتنياهو، يتمّ عرضها على الحكومات الغربية سرّا تحت عنوان "مبادرة السلام الإسرائيلية" تدعو إلى إلغاء السلطة الفلسطينية، وضمّ الضفّة الغربية إلى إسرائيل، وإقامة شراكة استراتيجية مع الأردن، تمهيداً لتأهيل اللاجئين وتفكيك مخيّماتهم، والتعويض عليهم وتوطينهم، بغد إلغاء منظّمة الأونروا التي تهتمّ بشؤونهم.
مجلة المشاهد السياسي اطّلعت على الوثيقة، وعرضت أهم ما جاء فيها من خلال موضوع غلافها الأخير.
بُعَيد قيام أميركا باحتلال العراق في ربيع العام ٢٠٠٣ خرج يميني عنصري متطرّف في إسرائيل اسمه بيني (بنيامين) أيلون بمقترح في مايو من ذلك العام، يتضمّن مبادرة "سلام" إسرائيلية تهدف إلى إلغاء مبادرة السلام العربية، ومن بعدها اختصار خارطة الطريق التي تبنّتها اللجنة الرباعية الدولية التي تضم أميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، وقد أعلن عن هذه المبادرة في مؤتمر صحافي عقده في أكتوبر ٢٠٠٧.
يُشَار إلى أن أيلون هو عضو في الكنيست الإسرائيلي، ويميني متطرّف من دعاة الترانسفير، وأحد عرّابي الاستعمار الاستيطاني في الضفة وتحديداً في القدس، وهو رئيس حركة "موليدت" اليمينية المتطرّفة.
ويصف أيلون الدولة الفلسطينية التي يتحدّثون عنها بأنها معدومة القيمة، ويضيف أن الحديث يدور عن دولة تابعة، صغيرة ومحاصرة، توفّر قوّة عاملة رخيصة لدولة إسرائيل، وأن مثل هذه الدولة الخيالية لن توفّر لمواطنيها الاعتزاز الوطني والحرّيّة المدنية أو الأمل الاقتصادي، ولن تطرح أي حلّ لقضية اللاجئين. ويتابع الحديث عن حلّ الدولتين بقوله إنه لا مستقبل للسلطة ولا جدوى من إقامة دولة فلسطينية، بالإضافة إلى الدولة القائمة شرقي نهر الأردن.
ولذلك يقول أيلون في مبادرته إنه من الضروري أن يكون حلّ قضية اللاجئين مُكوّنا جوهريا في أي تسوية، وأن على إسرائيل أن تعمل كل ما في وسعها لحل قضية لاجئي ١٩٤٨ نهائيا، وأن تطالب المجتمع الدولي بالمشاركة في ذلك. ويتوجّب أن يبدأ الحل بتفكيك "الأونروا"، التي تخلّد قضية اللاجئين، والمواصلة ببلورة خطّة تعويض سخيّة لكل اللاجئين الفلسطينيين الذين سيتمّ توطينهم في دول مستعدّة لاستيعاب المهاجرين ليبدأوا حياة جديدة.
وينتقل أيلون إلى السؤال: من سيدفع؟ ويجيب أن مليارات الدولارات تدفع سنوياً على الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وأن هذه المبالغ عبارة عن دولارات أميركية تخصّص لسباق التسلّح الإقليمي، وهي مبالغ طائلة تحوّل من أوروبا للحسابات البنكيّة التابعة للسلطة الفلسطينية. وهي أيضاً مبالغ هائلة من المال الإسرائيلي الذي ينفق على إقامة الجدار وتنفيذ الانفصال و"تقوية" أبي مازن. ولذلك يقول، إن الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، إلى جانب دول النفط العربية، ستتمكّن من تمويل مباشر لتأهيل كامل وسخي لكل لاجئي العام ١٩٤٨، يمكّنهم من الاستيعاب في دول مختلفة يسرّها استيعاب المهاجرين الذين يصلون إليها مع أموال تمكّنهم من العيش الكريم.

جبهة إسرائيل الداخلية في قلب الحرب القادمة


البيادر السياسي، 18 يوليو 2009


يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مسألة الدفاع عن الجبهة الداخلية في إسرائيل والاستعدادات اللازمة لذلك. لذلك عقد مركز (بيجين – السادات) للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان، يوم الخميس الموافق 25يونيو الماضي، يومًا دراسيًا حول الدفاع عن الجبهة الداخلية في إسرائيل.
مجلة البيادر السياسي تابعت هذه الفعالية، التي أكدت أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم ترقَ إلى مستوى الجهوزية المطلوب على كافة الأصعدة، ما دفع الكثير من الباحثين الإسرئيليين إلى التأكيد على وجوب رفع مستوى حصانة الجبهة الداخلية الإسرائيلية من خلال كافة الإمكانات المتاحة.
بالنسبة لمشكلة حماية الجبهة الداخلية في الحرب، اتضح أنه حتى ولو صدق الخبراء بأن الخسائر البشرية التي لحقت بالجبهة الداخلية كانت محدودة، وأن المجتمع الإسرائيلي أثبت أنه يمتلك قدرة كبيرة جدا على الصمود، إلا أن ذلك يشير إلى أنه في أحيان كثيرة يعتبر المجتمع الإسرائيلي الأمن الشخصي بالنسبة للمواطنين أهم من الأمن القومي. وفي مثل هذه الحالة لن يحتمل المجتمع عدم تطوير وسائل متعددة لحماية الجبهة الداخلية . ولن تقبل توجهات تدل على "إهمال الجبهة الداخلية" أي غياب معالجة مشاكل من يقيم لفترة طويلة في الملاجئ وخاصة الأطفال والشيوخ والمرضى والمعاقين. هذا الأمر يحتاج إلى إعادة تفكير حول حماية الجبهة الداخلية قبل وخلال الحرب القادمة، ويعتقد "عنبار" أن الباحثين الأكاديميين يرون التطورات بشكل مختلف لأن بإمكانهم التفكير في الأمور الاستراتيجية بشكل متعمق بعيدا عن أية ضغوط، والمعروف أن عنبار يدعو إلى تكثيف التعاون بين المؤسسات العسكرية الإسرائيلية والجيش وبين مراكز الأبحاث الاستراتيجية.
ويعتقد البروفيسور إفرايم عنبار رئيس المركز أن على إسرائيل مهاجمة حركة حماس بشكل واسع ومكثف والدخول إلى عمق الأراضي في القطاع وحتى إبقاء قوات إسرائيلية في المنطقة طالما أن هنالك صواريخ تطلق من القطاع باتجاه المدن الإسرائيلية، ويعتقد أيضاً بأن حل الدولتين هو برنامج انتهت صلاحيته. ويؤكد في بحث أصدره حول الموضوع أن على إسرائيل العمل لحل يؤدي إلى إعادة الارتباط السياسي بين المناطق الفلسطينية التي احتلت عام 1967 وبين الدول التي كانت هذه المناطق تحت سيطرتها، والمقصود ان يكون سكان القطاع تحت السيطرة المصرية وسكان الضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية حيث أن حل الدولتين لم يعد حلا ممكناً، وفي حال انعدام حل سياسي، على إسرائيل أن تعمد إلى "إدارة الصراع" لفترة طويلة، الأمر الذي يتطلب مخططات استراتيجية ملائمة، وبشكل خاص على إسرائيل وضع المخططات الملائمة للدفاع عن الجبهة الداخلية التي ستصبح عرضة للكثير من الأخطار. ويؤكد في بحثه أن الحقبة الحالية تشير إلى ابتعاد إمكانية التفاهم بين الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية لأن الشرخ بين الجانبين يتسع، ثم أن الجانب الفلسطيني - على حد قوله - ليس بمقدوره بناء دولة، بل إن كل ما تمكن الفلسطينيون من إقامته هو كيان فاشل وفاسد دون نظام ودون قانون، ويرى أن المجتمع الفلسطيني بحاجة للكثير من الوقت حتى يتحول إلى مجتمع ذي مفاهيم ومواقف سياسية معتدلة، ولذلك يرى أن الحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يتحقق قبل عشرات السنين، ولن يتحقق قبل أن تحدث تحولات ملموسة لدى الجانب الفلسطيني.
متحدثٌ آخر هو الدكتور شاؤول شاي نائب رئيس "هيئة الأمن القومي"، الاسم الجديد لمجلس الأمن القومي، نقلت المجلة حديثه عن الدفاع عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية كأحد أسس الرؤى الأمنية الإسرائيلية، والدكتور شاي شغل في السابق منصب رئيس قسم الدراسات التاريخية في الجيش الإسرائيلي، وضمن منصبه الحالي في هيئة الأمن القومي الإسرائيلي الدكتور شاي مسؤول عن قسم السياسة الخارجية وقسم السياسات الدفاعية في هيئة الأمن القومي، وهي مؤسسة تابعة لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أُعلِن عن قيامها السنة الماضية.
يعتقد الدكتور شاي بأن على إسرائيل الاعتماد بشكل أكبر على قوة الردع وزيادة هذه القوة من خلال إيجاد الطرق الملائمة لمواجهة الحروب الجديدة التي ستكون حروباً غير تقليدية بمفاهيم اليوم، وهذا يعني أنه بمرور الوقت أصبحت المواجهات على صعيد غير متكافىء وغالباً الجيش الإسرائيلي سوف يواجه قوات من التنظيمات التي تحارب بطرق غير تقليدية، وفي هذه الحالة لن يكون للجيش الإسرائيلي الميزات التي يتمتع بها في حال خوض حرب تقليدية أمام جيش تقليدي، ويرى أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية أصبحت الجبهة الأساسية للمعركة، وستكون مستهدفة في الحروب القادمة، ولذلك أصبحت في أولويات الرؤى الأمنية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. وهنالك تركيز من جانب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إيجاد الوسائل المناسبة لحماية الجبهة الداخلية، ويؤكد الدكتور شاي على أن الدول المعادية لإسرائيل تدأب حالياً على تطوير الصاروخ الباليستي BM25 الذي قد يصل مداه إلى 3500 كيلومتر، الأمر الذي يعني أن مثل هذا الصاروخ بإمكانه ضرب مواقع كثيرة في الشرق الأوسط وأوروبا. ويضيف: أن النظريات الأمنية الإسرائيلية يتوجب أن تعتمد على ثلاث نقاط أساسية: قوة الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، وفي هذه الحالة عندما تصبح الجبهة الداخلية مستهدفة بشكل خاص، وحين تصبح الجبهة الأساسية في هذه الحالة سوف يتسع مفهوم قوة الردع وبالتالي أيضاً سوف يتسع مفهوم الإنذار المبكر وعلى هذا الأساس على إسرائيل الإهتمام بشكل أكبر بأجهزة الإنذار المبكر .
ونظرية الأمن الإسرائيلية كانت تقوم بالماضي على نقل المعركة الى أرض العدو واستخدام قوات ضخمة تتفوق على العدو بسهولة وبشكل خاص استخدام سلاح الطيران لضرب الأهداف الاستراتيجية بضربة سريعة وقاصمة، كذلك كانت النظرية الأمنية الإسرائيلية تقوم على مبدأ الحرب السريعة الخاطفة التي تستمر لفترة قصيرة حيث تتم تعبئة قوات الاحتياط واحتلال أراضي العدو وضرب منشآته العسكرية والإستراتيجية، وبذلك لم تكن الجبهة الداخلية في إسرائيل معرضة لأية مخاطر تذكر أو أن المخاطر كانت قليلة جداً، بينما بمرور الوقت أصبحت الجبهة الداخلية مستهدفة وبشكل خاص في الحروب الأخيرة ثبت أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الجبهة العسكرية، وأصبح بإمكان الجانب الآخر ضرب المواقع الإسرائيلية بسهولة مقارنة بالماضي، ولذلك فالفكر العسكري الإسرائيلي تغيّر عن السابق، وبدأ يأخذ بعين الإعتبار أن الاستعدادات للمعركة تتوجب أن تشمل الجبهة الداخلية.

خلفيات سيناريو إعادة انتشار قوات الاحتلال الأمريكي في العراق


أبيض وأسود، 12 – 19 يوليو 2009


تزامنت عملية إعادة انتشار قوات الاحتلال الأمريكي في العراق خارج المدن مع مجموعة واسعة من الأحداث والتوجهات الأمنية، والتحركات والتصريحات السياسية، والترتيبات الداخلية، والقرارات الاقتصادية، وفرز التحالفات الحزبية من جديد، لتصب كلها في دائرة خلفيات سيناريو إعادة الانتشار وأهدافه المباشرة والبعيدة، ورسم العلاقات المستقبلية بين العراق و(الولايات المتحدة الأمريكية)، وهو ما يضع على بساط البحث مصداقية السيناريو السياسي ـ العسكري الذي تنفذه الإدارة الأمريكية حالياً في العراق.
رؤيةٌ أبرزتها مجلة أبيض وأسود سلطت من خلالها الضوء على سيناريو إعادة انتشار قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، مستهلة حديثها بعلامات استفهام طرحتها موجة التفجيرات التي اندلعت عشية عملية إعادة الانتشار.
من اللافت أن اندلاع موجة من التفجيرات الدموية ضد المدنيين أودت بأرواح المئات عشية إعادة انتشار قوات الاحتلال الأمريكي من المدن العراقية، يطرح أكثر من إشارة استفهام حولها وحول الجهات التي تقف خلفها، والمستفيدين منها، فموجات القتل الجماعي كانت قد تراجعت في العامين الأخيرين، وفي الإعلانات المتواترة الصادرة عن المراجع الأمنية العراقية العليا، وقيادة قوات الاحتلال الأمريكي خلال الفترة المذكورة، تم التأكيد الجازم على نجاح عمليات تفكيك الشبكات التي كانت تقوم بعمليات القتل والخطف ضد المدنيين، لكن وعلى الدوام، بقيت شكوك كبيرة حول ضلوع جهات مرتبطة بالاحتلال في تنفيذ هذه الأفعال الإجرامية، لتصاعدها تزامناً مع المنعطفات الحرجة التي مرت بها قوات الاحتلال جراء تشديد المقاومة العراقية لضرباتها، وتزامناً مع تكثيف المطالبات الدولية برحيل الاحتلال. وفي أكثر من حادثة ظهرت خيوط تدل على تورط الشركات الأمنية الخاصة المتعاقدة مع الاحتلال، وأعضاء هذه الشركات الذين يقدرون بعشرات الآلاف لم يشملهم قرار إعادة الانتشار، والخروج من المدن العراقية، كما لم يشمل عناصر أجهزة الاستخبارات الرسمية الأمريكية، فهم ما زالوا ينتشرون في المدن، بكامل أجهزتهم وعتادهم، وتقدم لهم الحكومة العراقية كل التسهيلات الإدارية والميدانية. وتشكل موجة التفجيرات الدموية عامل ضغط شديد على أراء الناخبين العراقيين الذين سيدلون بأصواتهم في الاستفتاء على الاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية، التي رهن البرلمان العراقي مصادقته النهائية عليها بنتيجة الاستفتاء، وإذا ما استمرت وتصاعدت موجات القتل الجماعي والعشوائي، تستطيع قوات الاحتلال أن تعيد تقديم نفسها كضمانة وحيدة للسيطرة الأمنية، لعجز قوات الأمن العراقية عن سد الفراغ، بسبب من عدم كفاية تدريبها وتسليحها، وللخلل في بنيتها المخترقة من التنظيمات الحزبية الطائفية والمجموعات الإرهابية، وتأثرها بالفساد السياسي الذي ينهش جسد مؤسسات الدولة العراقية.
وترى المجلة أنه بعودة حمامات الدم في شوارع وأسواق المدن العراقية تنفست الإدارة الأمريكية الصعداء، ونَحَّت جانبا الجدل حول فظائع الاحتلال في السجون والمعتقلات، هذا الجدل الذي تحول داخل (الولايات المتحدة) والعالم إلى سلاح لتعرية تراجع الرئيس أوباما عن وعوده في الحملة الانتخابية بكشف ملابسات الفظائع والمسؤولين عنها وإخضاعهم للمحاسبة.
ولم يفت البيادر أن تشير إلى الاتفاقية الأمنية البريطانية ـ العراقية التي اقترب توقيعها، باعتبارها جائزة ترضية للشريك البريطاني في الاحتلال.
ومن جملة إشارات الاستفهام التي أثارتها عملية إعادة انتشار قوات الاحتلال الأمريكي، إعلان السفير البريطاني في العراق (كريستوفر برينتس)، عن قرب إقرار اتفاقية أمنية بريطانية ـ عراقية تخول البحرية البريطانية زمام الأمن حماية الموانئ والمياه الإقليمية العراقية، بعد تذليل العقبات التي كانت تعترض طريقها، لجهة الصياغات الفنية الخاصة بحصانة القوات البريطانية، التي ستبقى لأغراض التدريب وحماية موانئ العراق البحرية، والتسهيلات التي ستمنح لها، ولاسيما فيما يخص الحصانة أو الولاية القضائية. والكيفية التي سيتم بها اعتماد الاتفاقية والتصديق عليها بين الحكومتين، وإقرارها من الجهات التشريعية في البلدين. وتضمن الاتفاقية لبريطانيا استمرار وجود بحري مسلح في المياه الإقليمية العراقية (شط العرب)، قوامه خمس سفن حربية بكامل أسلحتها من الصواريخ الموجهة والذخائر، وقاعدة بحرية ثابتة، مع حرية حركة كاملة، لخلو الاتفاقية من اشتراط عدم استخدام القوة البريطانية إلا بموافقة عراقية، وخلوها أيضاً من أية إشارة إلى عدم استخدامها ضد سفن وأهداف في دول الجوار، وخاصة (إيران). وتعد هذه الاتفاقية جائزة ترضية قدمتها الولايات المتحدة لبريطانيا، التي تفردت أوروبياً في التحالف معها في جريمة غزو العراق واحتلاله.

من المخول بالرد على باراك أوباما؟


عالم الاقتصاد، يوليو 2009


السؤال المنطقي الذي رأت مجلة عالم الاقتصاد أنه غاب عن الكثير من المسلمين، هو: من المخول للرد على خطاب باراك حسين أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي ألقاه من قاعة المؤتمرات في جامعة القاهرة في الرابع من شهر يونيو 2009م الماضي واستمر 55 دقيقة زف خلالها نبأ وفاة نظرية "صراع الحضارات" لصامويل هنتنجتون التي شغلت العالم خلال العقد الأخير.وبعد أن عرَّجت المجلة على أهم نقاط الخطاب الذي ألقاه أوباما للعالم الإسلامي، رأت أنه لم يأتِ بجديد سوى نبرته البراجماتية، التي قلبت ظهر المجن لسياسات خلفه بوش، وجاءت بسياسات مغايرة على كافة الأصعدة.
لقد انشغلنا بتحليل ما قال الرجل وخطابه المفوَّه الذي بدأه بعبارة "السلام عليكم" واستشهد خلاله بآيات من الذكر الحكيم، ليؤكد على أن قيم التعايش الإنساني هي من صميم العقيدة الاسلامية. تحدث أوباما عن السلام، وكأنه حاول أن يزيل العداء الغربي الذي رفع راية صراع الحضارات والعداء مع الإسلام على مدار ثمانية أعوام متتالية، خلال عهد الرئيس السابق چورچ بوش، ذاق خلالها المسلمون، وهم الطرف الأضعف، الأمرين من ويلات آلة الحرب الأمريكية العمياء.وقال أوباما في خطابه الذي صفق له الحضور 42 مرة، إن الغرب بقيمه الديمقراطية ليس في صراع مع الاسلام، مؤكداً أن قيم التعايش والتسامح إنما هي قيم مشتركة بين كافة الشعوب مهما اختلفت دياناتها وأفكارها. وذكر أوباما أن لديه خلفية عن الديانات بحكم نشأته المسلمة وتحوله للمسيحية في مرحلة لاحقة من عمره، مؤكداً أن الإسلام دين يقدر قيمة الحياة وينبذ العنف، مستشهداً بقوله تعالى (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً).نعم أوباما لم يأت بجديد، في هذا الخصوص، فنحن أعرف بديننا وبعقيدتنا. لكن مبادرة أوباما هي الجديد في حد ذاته، حيث تعكس حقيقة مقدار الدينامية والحيوية في الثقافة الأمريكية التي تتبنى النهج البراجماتي الذي يعلي قيمة المصلحة وينطلق صوبها دون الالتفات لأي اعتبارات أخرى. من هنا كان جديد أوباما الذي قلب ظهر المجن لسياسات خلفه چورچ بوش وجاء بسياسات مغايرة بشخوصها وتوجهاتها.
وأكدت المجلة أن خطاب أوباما نكأ جراح الأمة الاسلامية داخل كل مسلم، ذلك أنه جدد خطاب التساؤلات المزمنة عن مصير هذه الأمة، وهل نحن حقاً لا نزال أمة واحدة تألم إذا اشتكى عضو من أعضائها، كما جاء في الحديث النبوي الشريف؟
كما رأت "عالم الاقتصاد" أنه من الصعوبة بمكان لأية دولة أو قطر إسلامي حالياً أن يحتفظ لنفسه بحق التحدث باسم الأمة الاسلامية والرد على خطاب أوباما.
الواقع يقول إن الأمة الاسلامية صارت دولاً وشعوباً شتى مزقتها النزعات القُطرية والحدود التي خطها المستعمر، وقبلنا بها، كسيوف تقطع الجسد الواحد، هذا فضلاً عن الفرق والمذاهب العديدة التي لا تفتأ تمزق الأمة وتؤكد عدم وحدتها.
لكل ذلك فإن الأمة الإسلامية في موقف لا تحسد عليه. ويتجدد السؤال؛ من له حق التحدث باسم أمة الإسلام؟
وإذا سلمنا بحقيقة معطيات الواقع المر الذي نعيشه، وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فأنا أقترح أن تتصدى لهذه المهمة منظمة المؤتمر الاسلامي باعتبارها المنظمة الإسلامية الوحيدة التي ينضوي تحت لوائها جميع الدول المسلمة.
ومن ثم ينبغي أن تشكل المنظمة لجنة من ساسة جميع الدول الاسلامية، دون استثناء، بتمثيل متساو، تدعمها على المستوى نفسه لجنة من علماء الأمة تمثل جميع الدول الأعضاء، دون استثناء، بتمثيل متساو أيضاً، بحيث يمكن لهاتين اللجنتين صياغة رد مناسب على رسالة السيد أوباما.
وفي الرد ينبغي أن تكون رسالة الأمة واضحة وهي رسالة وحدة تتحدث بصوت واحد عن حقوق الأمة التي سلبت على مدى عقود طويلة وعن جراح الأمة النازفة.
أياً كان الرد، فليست تلك هي المعضلة الآن، لكنه سيكون بالطبع من جنس ما جاء به أوباما، رسالة تسامح، فإذا كانت رسالته هي السلام، فنحن أهل السلام، مصداقاً لقوله عز وجل. لكن الصوت الواحد من شأنه أن يطالب بقوة باستعادة الحقوق السليبة على مدى قرون وعقود متتالية.
إن المظالم لا تزال تمارس بحق المسلمين، وقد تكون هذه أول فرصة لنا كمسلمين لكي نبحث هماً مشتركاً أمام طرف مغاير لنا. وقد تكون هذه أول مرة منذ عهد الخلافة العثمانية التي يكون فيها المسلمون برمتهم طرفاً في قضية واحدة أمام طرف آخر مغاير لهم، ويتحتم عليهم تشكيل جبهة تحالف لاتخاذ موقف بشأن ما طرحه عليهم أوباما.
إن نجاح المنظمة في لم الشمل، سياسياً ودينياً، وصياغة مثل هذا الرد الموحد سيكون، في رأيي، أهم إنجاز للأمة الإسلامية التي ستدرك أنها ولأول مرة عليها أن تتحدث بصوت واحد، وقد تكون هذه شرارة البداية لعودة الصوت المسلم مدوياً في الآفاق من جديد.

على نار الانسحاب الأمريكي.. هل ينضج العراق أم يحترق؟


الوطن العربي، 8 يوليو 2009

بين محرمات السياسة وأعباء التاريخ وفخاخ الأجندات المتقاطعة.. هـل يـجـد الـعـراقـيـون " الـحـل الـوسـط الـتـاريـخـي " بعدما انسحب الأميركيون من المدن العراقية؟ تساؤل حاولت مجلة الوطن العربي البحث عن إجابة له، في إطار رؤية ترى التفاؤل الشديد بأن مجرد الانسحاب الأميركي يعنى انبعاث العراق الجديد، ينطوى على قدر كبير من المجازفة والقفز إلى المجهول، كذلك فإن التشاؤم المبالغ فيه إزاء إمكان نضوج رؤية متوازنة لعلاقات العراق بمحيطه الجغرافي والعالم يعكس استهانة غير مقبولة بالإنسان العراقي والثقافة العراقية.
هذا البلد لا ينقصه الموارد الطبيعية ولا الموارد البشرية ولا الحضارة ولا الإرادة ولا الوقع الاستثنائي المشرف على مفترق طرق حضاري كبير بين أمم عريقة، فالعراق بوابة العرب الشرقية التي ساهم في حراستها الكرد ومنها تواصلت الأمة العربية عبر التاريخ مع الأتراك والفرس.
وأول اختبار يواجهه العراق مع الجغرافيا أن يتحول هذا الموقع –عبر سياسة خارجية عراقية جديدة- من محرك للصراع إلى ساحة للتلاقي والحوار والتقارب والتعارف.
والبحث عن حدود الدور العراقي في محيطه وفي العالم: محدداته وواجباته ومحرماته وممكناته وأولوياته وآفاقه، لا يمكن إلا أن يتأسس على الوعي الواضح، الذي تترجمه الوقائع بالصورة الجديدة للعراق، وعلى قاعدة ثقافية صلبة قوامها الاحترام العميق لوحدة العراق.
وكما أن الجغرافيا تفرض محددات لا سبيل إلى الفكاك من قيودها، فإن التاريخ أيضًا يفرض إكراهات لا يمكن – إلا بضريبة باهظة- القفز عليها. العراق تاريخيا كان حصنا للعروبة بمعناها الواسع، وفيه كتبت أهم صفحات التاريخ العربي قديما وحديثا. والحفاظ على ذلك يتطلب دبلوماسية ثقافية عربية نشطة ومتواصلة.
أما السنة فقد حققوا نقلة نوعية بالتحول الكبير في موقفهم من العملية السياسية ودورهم في مواجهة الإرهاب، وهم مؤهلون في المرحلة القادمة لأن يلعبوا دور رمانة الميزان بين شيعةٍ تراودهم أحلام ربط العراق بإيران، وأكرادٍ ما زلوا يركضون خلف حلمٍ لإقامة الوطن القومي الكردستاني على أنقاض العراق وجيرانه.
وعند صياغة العلاقات الخارجية للعراق الجديد فإن العلاقات مع القاهرة والرياض يجب أن تكون أقوى من العلاقات مع طهران، فالعالم العربي يشكل الامتداد الطبيعي للخارطة العراقية المحاطة شرقا وشمالا باثنين من أكثر النظم اعتدادًا بهويتها القومية (الفارسية والتركية)، فضلا عن أن إعادة بناء العراق اقتصاديًا يناسبه يناسب الرهان على قوى لا مطامع لها في أرض العراق ولا ثارات بينه وبين الشعب العراقي.
فلتكن حدود العراق كما تفرضها الجغرافيا جسورا للتعايش، وليكن التاريخ العربي لهذا البلد الكبير فضاء لمستقبله.

مدفيديف: حلم "الأمبراطورية الثالثة


المشاهد السياسي، 5-11 يوليو 2009


مصر، نيجريا، ناميبيا وأنجولا، أربع محطّات أفريقية في رحلة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف الأخيرة إلى المنطقة، التي جاءت بعد غياب طويل لأفريقيا عن شاشة الرادار الروسية، وبعدما سجّلت الصين، إلى جانب العواصم الغربية، اختراقات واسعة في القارّة السوداء. ماذا في الأفق، وما الذي تطمح إليه روسيا الروسيّة بعد انحسار روسيا السوفياتية عن المساحة الأفريقية؟
من لندن سلطت "المشاهد السياسي" الضوء على هذا الحلم الروسي.
يريد ميدفيديف أن يُدخِل المزيد من الشركات الروسية إلى أسواق أفريقيا، لكنه يعرف جيّدا أنه وصل متأخّرا بعدما سبقه الصينيون. لكن الشركات الروسيّة قد وجدت موطئ قدم في نيجيريا خلال الأعوام الأخيرة، كما أسّست لحضور تجاري في جنوب أفريقيا، وهي تتطلّع إلى التوسّع في اتجاهين: استعادة الممكن من علاقات الاتحاد السوفياتي السابقة في القارة، وانتهاج خط سياسي جديد في زحمة التنافس الغربي ـ الصيني يضمن لروسيا موقعا في سوق الماس واليورانيوم، بالإضافة إلى النفط ومشاريع الطاقة النوويّة السلميّة.
والرحلة ليست معزولة بالطبع عن تحرّك روسي بدأ في زمن فلاديمير بوتين في الاتجاه نفسه، يمكن معاينته في جولة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في الشرق الأوسط والخليج، وصفقات الأسلحة الروسية إلى عدد من دول المنطقة، والمبادرات الديبلوماسية التي تتواصل في السنوات الأخيرة من أجل استعادة المواقع المفقودة والتأسيس لمرحلة جديدة. وفي هذا السياق، وفي موازاة المبادرة التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما، تهيّئ موسكو لاستضافة مؤتمر دولي يعيد طرح الصراع العربي ـ الإسرائيلي على طاولة البحث، والقمّة المصرية ـ الروسية الأخيرة تندرج في إطار هذه التحضيرات.
ولافروف الذي زار كلا من البحرين وسلطنة عمان في الربيع الفائت، كان يدرك جيّدا أنه يطأ أرضا تشكّل حديقة خلفيّة للأميركيين، هي الخليج الذي يعجّ بالأساطيل والقواعد العسكرية الأميركية، لكنه جرؤ مع ذلك على طرح مشاريع تعاون عسكري مع بلدان المنطقة التي فتحت سفارات مع موسكو في مطلع العقد الفائت، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تطوّر علاقاتها مع روسيا إلى حدود التعاون الاستراتيجي. ولا يمكن حتى الآن الحديث عن مثل هذا التعاون إلا على مستويين: صفقات الأسلحة الهائلة مع إيران والأقلّ أهميّة مع سورية، علما أن إسرائيل لم تفوّت فرصة في السنوات الأخيرة لعرقلة تنفيذ العقود التسليحية الروسية إلى هذين البلدين.
وتردف المجلة: إن رحلة مدفيديف الأفريقية الأخيرة، على خلفية الحلم الروسي بالامبراطورية الجديدة، لا يمكن أن تتجاهل الحضور الصيني القوي في القارة، وهو حضور أكثر من لافت. فقد قفزت أرقام التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا الفقيرة بمعدّلات قياسية العام الفائت، والعلاقات الصينية ـ الأفريقية تزداد نموّا عاما بعد عام، إلى الحد الذي تهدّد معه مواقع النفوذ الأميركية والغربية، بفضل الجهد الصيني المكثّف والحنكة السياسية وإعطاء الأولوية للجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي.
يبقى سؤال، ختمت بإجابته المجلة موضوع غلافها: كيف تنظر دوائر القرار الروسي إلى جولة مدفيديف الأخيرة، وما هي الآمال التي تعلّقها عليها؟
صحيفة "نيزا ـ فيسيمايا غازيتا" الروسية اختصرت جولة الأيام الأربعة بتطوير التعاون في مجال الطاقة. موضحة أن حجم التجارة وتبادل الخلافات في العام ٢٠٠٨ بلغ ٤.١ مليارات دولار، وعدد السيّاح الروس الذين قصدوا مصر وصل إلى ١.٨٤ مليون سائح، وكما في مصر كما في الدول الأفريقية الثلاث الأخرى، فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية تصدّرت المحادثات التي أجراها الرئيس الروسي.
في القاهرة أبرز العناوين كانت إقامة تعاون في قطاع الفضاء والطاقة النووية السلمية والبنية التحتيّة للنقل وغيرها من القطاعات الخدماتية، بما في ذلك تصدير الحبوب الروسية. وفي الدول الأفريقية الأخرى احتلت قضايا الطاقة والصناعات المعدنية رأس المباحثات، وفق دراسة تقول بإمكانية استغلال الموارد الطبيعية الأفريقية في تحالفات اقتصادية منتجة. واستندت الصحيفة في هذا التحليل إلى كثرة المسؤولين ورؤساء قطاع الأعمال الروسي الذين رافقوا مدفيديف في رحلته، وهي مسألة طبيعية جدّا في هذه المرحلة، بعدما انعطفت العلاقات الروسية ـ الأفريقية من المساعدة في تحرير القارة من الاستعمار في زمن الاتحاد السوفياتي السابق، إلى التعاون في مجالات التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية في مرحلة ما بعد التحرّر.
وباختصار، إن نيجيريا، وأنغولا، ومصر وناميبيا شكّلت عناوين أربعة في رحلة العودة الروسية إلى أفريقيا العربية وأفريقيا الأفريقية، وهي رحلة بدأها فلاديمير بوتين، وهي تشكّل ردّا روسيا على الزيارة التي قام بها باراك أوباما إلى القاهرة في ٤ يونيو الفائت، والخطاب التاريخي الذي وجّهه إلى العرب والمسلمين. في هذا السياق، حرص الرئيس الروسي على زيارة مقرّ الجامعة العربية ولقاء أمينها العام وتأكيد إحياء عملية السلام في المنطقة وعقد مؤتمر روسي للسلام قبل نهاية العام.
ورغم أن ألغاما كثيرة، صينية وأميركية وأوروبية، قد زرعت في طريق العودة الروسية إلى القارّة السوداء، فإن روسيا لا تعدم وسائل الوصال مع أصدقاء الأمس، ولو أن هذا الوصال لم يَرقَ ـ ولا يتوقّع له أن يرقى في المدى القريب ـ إلى المستوى الاستراتيجي الواضح.

Monday, July 20, 2009

إيران.. مالذي تغير؟


المشاهد السياسي، 4 يوليو 2009


ما الذي تغيّر وما الذي لم يتغيّر في إيران بعد أسبوع من الاحتجاجات؟ تساؤل أجابت عنه مجلة المشاهد السياسي من خلال رؤية لخصتها في مستهل موضوع غلافها الأخير، حين قالت: ما يجري في إيران منذ أكثر من أسبوع هو أكثر من مجرّد احتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية، إنه صراع حقيقي لم يغادر بعد إطار ولاية الفقيه ولم يخرج عليها، لكنه مفتوح على إعادة رسم الخارطة السياسية الداخلية على مستوى المحافظين كما على مستوى الاصلاحيين
التغيير الأول يمكن معاينته في نزول مئات الآلاف من الإيرانيين إلى شوارع طهران والمدن الأخرى الكبرى، بعد إطلالة المرشد الأعلى علي خامنئي يوم الجمعة في التاسع عشر من الشهر الماضي ليدافع عن نتائج الانتخابات وعن فوز محمود أحمدي نجاد. هذا يعني أن كلمة ولي الفقيه لم تعد مسموعة لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، وأنه بات محسوباً ـ كما مجلس صيانة الدستور ـ على فريق إيراني دون الآخر. وسواء أدّت الاحتجاجات إلى إلغاء نتائج الانتخابات أو إلى تثبيت نجاد في موقعه القديم ـ الجديد، فإن المرجعية الإيرانية فقدت الكثير من هيبتها في الأيام الأخيرة
حتى الأمس القريب كان تكريس هذه المرجعيّة، شكلا ومضمونا، هو المدخل الحاسم في التعبير عن إرادة الشعب، بغضّ النظر عن الخلافات السياسية الداخلية، لكن الخروج على هذه المرجعية هو تعبير عن احتقان طويل، والخروج من الأزمة، أو منع استفحالها، قد يقتضي حلولاً غير عادية من داخل أو من خارج البنية الدينية ـ السياسية القائمة
التغيير الثاني هو أن الحلول الدستورية التي توصّلت إليها لجنة صيانة الدستور لن تنجح في إنهاء الأزمة، لأن هذه اللجنة متّهمة مسبقاً بالانحياز إلى جانب نجاد، ولأن الأزمة في الأساس فكرية عقائدية لا سياسية فقط، والمراقبون المحايدون يرون فيها خروج فئات واسعة من المثقّفين الإيرانيين والشباب والنساء ورجال الأعمال على "عقيدة" الثورة، في تحدّ أيديولوجي واضح لركائز النظام القائم. وكثيرون هم الخبراء الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن الشرائح الاجتماعية التي شاركت في المسيرات الشعبية حتى الآن، مصرّة على التغيير، وأن على نجاد أن يستجيب لهذا التغيير كي يحافظ على الاستقرار الداخلي، محاولاً مدّ جسور التفاهم مع خصومه، ودعوتهم للمشاركة في الحكومة، قبل أن يتفاقم الوضع بصورة تصعب معها السيطرة عليه. هذا يعني أن الساخطين لا يقصدون شخصاً بعينه هو محمود أحمدي نجاد، بقدر ما يرفضون النظام الذي يمثّله نجاد
التغيير الثالث يمكن معاينته داخل المؤسّسة الدينية الإيرانية، ذلك بأن كبار آيات الله في "قم" لم يصدروا حتى الآن أي تأييد لإعادة انتخاب نجاد رئيساً، الأمر الذي يوحي بانقسام لم يكن مألوفاً بين الأئمّة، علماً بأن "قم" وحدها قادرة على أن تقرّر مسار الأزمة، وربما مصير الولي الفقيه نفسه. وفي حال استمرار الانقسام، فإن هذا يعني أن السفينة الإيرانية دخلت في مضائق جديدة لم تعرفها منذ ثلاثة عقود، وأن فرص الخارج للتدخّل في الشؤون الإيرانية تتزايد على حساب الاستقرار الإيراني، في الوقت الذي تتراكم فيه الضغوط الخارجية على الجمهورية الإسلامية
وتضيف المجلة: على أي حال، لم يحن الوقت بعد للتكهّن بطبيعة الحلول الممكنة في إيران، لأن الخروج من الأزمة الراهنة لن يكون سهلاً، وما يجري أقلّ من ثورة على الثورة، وأكثر من ثورة من داخل الثورة، بل إن بعضهم يرى فيه ثورة على الذين يريدون إجهاض الثورة
إن ما تشهده إيران أكثر من مجرّد "موجة خضراء" موسويّة، وإنما تلاقٍ بين أخصام الثورة، من أجل إحداث انعطاف تاريخي داخل النظام الإسلامي، علماً بأن أطرافاً معروفة هي الأكراد والبلوش والعرب وأقلّيّات أخرى كانت دائماً مناوئة للنظام القائم، وحجم الاحتجاجات يوحي بأنه أكبر من مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني
من أين يبدأ الحل؟
الحل في اعتقاد المراقبين الحريصين على الثورة، يبدأ بلملمة الأزمة من الشارع، والعودة إلى الحوار بين فصائل الثورة المحافظة والإصلاحية. والمحافظون الجدد والتقليديون، وكذلك حرس الثورة مدعوّون إلى التسليم بأن هناك إصلاحيين داخل المؤسّسات الحاكمة، وداخل شرائح المجتمع الإيراني، ولو خفتت أصواتهم طوال السنوات العشر الأخيرة، وأن هؤلاء الذين كانوا يؤمنون بولاية آية الله الخميني هم أيضاً أبناء الثورة ولو أنهم لا يؤمنون اليوم بولاية الفقيه
والمسألة كلّها تبدو وكأن الشارع الإيراني يتحرّك في المسافة الفاصلة بين "الجمهورية الإسلامية" و"الدولة الإسلامية". هناك شبه إجماع على "الجمهورية"، لكن هذا الاجماع ليس قائماً على مستوى "الدولة
(من المهم أيضًا) تلاقِي أبناء الثورة -المرشّحون الأربعة ضمناً- على الحد الأدنى من التوافق، بصورة تسمح للإصلاحيين بالمشاركة في السلطة بتدخّل مباشر من المرشد الأعلى
كذلك ضع خطّة عمل هادفة تسمح بتحقيق المصالحة بين "الجمهورية" و"الدولة"، بعدما دلّت الأحداث الأخيرة على أن شرائح إيرانية واسعة سبق أن آمنت بالثورة تجد نفسها اليوم خارج مشروع الدولة
(والأهم من ذلك كله) الإسراع في لملمة الأزمة من الشارع، منعاً لأي استغلال خارجي لها، في الوقت الذي تواجه إيران استحقاقات كبيرة على المستويين الاقتصادي والنووي، لا تسمح بمزيد من الصدامات الداخلية
وفي ضوء هذه الأولويات، هناك من يتوقّع أن تكون "الموجة الخضراء" التي شهدتها طهران والمدن الإيرانية بداية تغيير من الداخل، تُوَظّف فيه ولاية نجاد الثانية لإعادة صياغة التلاقي بين المحافظين والتغييريين، بمشاركة القيادة الإصلاحية الجديدة (مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحسن رضائي وهاشمي رفسنجاني وسيد محمد خاتمي

Sunday, July 19, 2009

تجميد وهمي للاستيطان للضحك على الأمريكان


البيادر السياسي، 4 يوليو 2009


طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من رئيس وزراء إسرائيل وقف البناء في المستوطنات، هذا الطلب أحدث نوعاً من الشرخ المؤقت في الموقف الأميركي الإسرائيلي المشترك. صحيح أنه لم يفاجىء إسرائيل، لكنه وضع رئيس وزرائها أمام خيار صعب: إذا قبل الطلب فإنه سيواجه أزمة داخل حكومته اليمينية، وإن رفض الطلب فإنه سيواجه مواجهة سياسية مع إدارة أوباما..
ومن أجل "تدوير" الأزمة استعان نتنياهو بخطة - كشفت تفاصيلها مجلة البيادر السياسي في موضوع غلافها الأخير- ملخصها (تجميد وهمي للاستيطان للضحك على الأمريكان).
اقترح إيهود باراك أن تعلن إسرائيل رسمياً تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة شهور من أجل إظهار نوايا حسنة تجاه أوباما، والقبول المرحلي لمطلبه. ولكن الاقتراح يقول إن البناء في ألفي وحدة سكنية يجري الآن تشييدها لن يتوقف لأن عملية البناء أو التشييد قد بدأت قبل شهور وقبل أن يقدم أوباما طلبه، ومن الصعب إيقاف البناء فيها لأن ذلك يترتب عليه مصاريف والتزامات خاصة بعقود البناء.
ولن يتردد باراك في القول لإدارة أوباما: إن الاستيطان في الضفة مختلف عما يجري في القدس، إذ أن القدس هي عاصمة الدولة "اليهودية" ولا يحق لأحد التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، وأن الإدارة الأميركية ذاتها تعتبر القدس منطقة "متنازع" عليها، وليست مدينة محتلة.
بنيامين نتنياهو قادر على خداع أعضاء الائتلاف وقادر على احتواء هذا الأمر من خلال الاجتماع بقادة الأحزاب اليمينية المتطرفة والقول لهم إن تجميد الاستيطان هو تجميد "شكلي" وعلى "الورق"، أما عملية البناء فستستمر وخاصة في الوحدات السكنية التي تم بناء جزء كبير منها. وأن أوباما سيقبل فيما بعد بمواصلة البناء من أجل مواجهة النمو الطبيعي داخل المستوطنات.
وسيقول نتنياهو إن أوباما سيتفهم موقفنا، وإن عليكم الاعتراض "اللفظي" على تجميد الاستيطان لأن هذا سيساعد في شرح موقفنا (موقف إسرائيل)، وإذا كانت هناك معارضة قوية، وتهديد كلامي بالانسحاب من الحكومة فإن إدارة أوباما ستكون معنية بألا تسقط حكومة نتنياهو الآن، وألا تُفرَض إملاءات وشروط وحلول على إسرائيل أو على أية دولة في العالم.
وسيقول نتنياهو إن الاستيطان في القدس سيتواصل ولن يتوقف، كما أن الاستيطان في المناطق الاستيطانية النائية والبعيدة قد تتواصل بصورة هادئة ومن دون أية ضجة وبعيداً عن وسائل الإعلام وتطبيلها وتزميرها.
وكمثال على الخداع الإسرائيلي، استشهدت المجلة بمستوطنة (جفعات هبريخا) التي أقيمت عام 2005، واعتبرت في وقتها غير شرعية، وقد أقيمت فيها 30 وحدة سكنية، وقامت وزارة الإسكان الإسرائيلية حينها برصد حوالي 1.4 مليون شيكل تدشين البنى التحتية لهذه البؤرة التي تحولت فيما بعد إلى مستوطنة معترف بها، وقد قامت وزارة الدفاع الإسرائيلية قبل حوالي عشرة شهور باعتبارها جزءاً من المستوطنات الشرعية في الضفة الغربية.. إذ أن عدد وحداتها السكنية وصل إلى ستين الآن!
كل الحديث عن البناء في المستوطنات أو وقفه أو تجميده هو حديث يتعلق بالأمور الرسمية، أي البناء الذي يتم بدعم حكومي رسمي وبمخططات معروفة. ولكن هناك منظمات استيطانية هي بنفسها تجمع التبرعات وتقوم بالبناء، وتوسيع ما تم بناؤه من دون علم الحكومة الرسمي، بل باطلاعها إذ أن إضافة أي بناء يتم بالحصول على ترخيص، ولكن من المجلس المحلي للمستوطنة الذي له صلاحيات بذلك.
والمنظمات اليهودية الداعمة للاستيطان هي عديدة سواء داخل إسرائيل أو في الخارج، وهذه المنظمات تجمع كميات كبيرة من الأموال لدعم ولتعزيز الاستيطان في المناطق العربية المحتلة منذ عام 1967. والغريب أنه لو سُئلت الحكومة عن تواصل هذا البناء، فإنها ستنفي علاقتها به، وستعتبره تصرفاً ذاتياً أو فردياً من قبل المستوطنين، أي أنها قد تدعم الاستيطان الفردي من وراء الكواليس، وفي الوقت نفسه تَدّعي أنها جمدت الاستيطان من ناحيتها. وإذا ما ازداد الضغط عليها لوقف هذا البناء فإنها ستجد المبررات لتواصله أو الادعاء بأنها ستعمل قدر الامكان لإيقافه.
خلاصة القول أن إسرائيل لن توقف سياسة الاستيطان، وخاصة أن الحكومة الحالية هي مؤلفة من عناصر وقيادات استيطانية، ولكنها ستحاول الضحك على ذقون الأميركان من خلال تقديم اقتراحات على الورق، لا تطبق على أرض الواقع..
كم من مرة أعلنت إسرائيل عن إجراءات لتحسين حياة المواطن وأثارت ضجة إعلامية حول ذلك، وصدقها المجتمع الدولي، ولكن على أرض الواقع ازدادت معاناة المواطن الفلسطيني.
نتنياهو يحاول تخطي طلب أوباما بتجميد أو وقف البناء في المستوطنات بالالتفاف عليه، علما أن المطلوب ليس فقط وقف البناء في المستوطنات بل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية المحتلة منذ حزيران 1967، لأن الاحتلال هو جوهر المشكلة والنزاع، والاستيطان هو جزء فقط من هذه المشكلة.
والتساؤل الأخير الذي يمكن طرحه: إلى متى ستبقى إسرائيل مخادعة ومدللة وفوق القانون؟